التوحيد جوهر الإيمان

التوحيد جوهر الإيمان

أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال[1] : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: ومن يأبى؟ قال:من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، وهذا بيان واضح لحقيقة قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة 256؛ وذلك أن الله عز وجل قد هدى البشرية إلى نجدي الخير والشر. فمنهم المهتدي، ومنهم من حقت عليه الضلالة (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فصلت 17، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) الشمس 7- 10.

وتزكية النفس وتقواها لها طريق واحد، هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام، وسمى الله به عباده المنضوين تحت لوائه  [2](المسلمين، المؤمنين عباد الله)، على لسان إبراهيم عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين، ووعدهم لذلك بالرضى والنعمة وسعادة الدارين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الحديد 28

ولئن كان الإسلام هو الانقياد لشرع الله والقيام بأركانه وواجباته واجتناب نواهيه، والتخلق بأخلاقه فإن له مدخلا واحدا ووحيدا، هو التوحيد الحق على النهج القرآني النبوي، من استيقنه دون ريب أو شك أو اضطراب أو تردد فهو المؤمن وهو المسلم، وهو الأخ الكريم، وهو اللبنة الصلبة في البناء الإسلامي المتماسك.

ولئن ابتدع المسلمون على تعاقب أزمان الفتن والجهل، لأنفسهم أسماء وألقابا، فإن ذلك مجرد وهم وشرود، ذلك أن الله سبحانه لا يرضى لعباده إلا ما سماهم به ( المسلمين ، المؤمنين، عباد الله عز وجله ) ولذلك قال سبحانه وتعالى: (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين ) الحج 78

هذا ما ينبغي أن يطمئن إليه قلب المؤمن، ويركن إليه، وهو ما يطلق عليه في علم أصول الدين مصطلح ” العقيدة “، عقيدة الأمة التي تركها الرسول – صلى الله عليه وسلم بيضاء نقية، ليلها كنهارها، إيمان راسخ، وتوحيد هو جوهر الإيمان ومحتواه، وظهور ثمرة ذلك على اللسان إقرارا والجوارح عملا.

فالإيمان ثلاثة أركان :

1- عقد بالقلب، أي التصديق، وبه يتساوى الطائعون والعصاة.

2-  الإقرار باللسان، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

3- العمل بالأركان. وبه يتفاوت المؤمنون. وبه يزيد الإيمان وينقص، فيزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.

أما التوحيد الحق فهو إفراد الله عز وجل وحده بالعبادة لا شريك له، وله ثلاثة أركان :

1- توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن لا رب لجميع الخلق إلا الله تعالى، وأنه سبحانه الخالق الرازق المالك المدبر المحيي المميت، وحده لا شريك له..

2-  توحيد الألوهية، وهو إفراد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة التي أمر بها، دعاء وخوفا ورجاء وتوكلا ورهبة ورغبة وخشوعا وخشية، وإنابة واستعانة واستغاثة ونسكا ونذرا ؛ قال تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) الجن 18.

3-  توحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شئ، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم، وطريق معرفة ذلك الوحي قرآنا وسنة صحيحة.

ونهج الجيل النبوي من صحابته صلى الله عليه وسلم في توحيد الأسماء والصفات أن يسردوا العقائد للأمة سرداً، مع ذكر أدلتها من الكتاب والسنة من غير تشبيه أو تمثيل أو تعطيل أو تحريف أو تأويل أو تكييف بالعقول أو القلوب أو الألسنة. ودون أن ينـزلقوا إلى مختلف التصورات الضالة التي سقطت فيها مختلف الفرق. فعقيدتهم بذلك حق بين باطل المشبهة والمجسمة والحشوية، وبين باطل المعطلة الذين يعتبرون تصرفات الله تعالى غير حقيقية بغلو من التأويل الضال.

على هذا النهج كان الأئمة الأربعة – رضي الله عنهم –، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. ولئن حاول بعض المتأخرين نسبة أبي حنيفة إلى المرجئة لقوله بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، ظناً منهم أنه يؤخر العمل على الإيمان، فإن ذلك منهم شطحات هوى وتعصب ظالم. لأن الرجل – أبا حنيفة – قاد عصره إلى العمل بالكتاب والسنة. وسجن من أجل ذلك، فكيف يفتي بترك العمل الذي يقول به المرجئة.

هذا هو نهج الإسلام في موضوع العقيدة. إلا أن مرض التصنيف الطائفي، والتفرقة وانتحال الألقاب، جعل البعض يطلقون عليهم “أهل السنة” و”أهل السنة والجماعة”، و”السلفيين”، ويقبل بعضهم بهذه الألقاب ويطلقونها على أنفسهم. في حين أن الاسم الحقيقي في القرآن والسنة هو:” المسلمون” قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) البقرة 132، وقال صلى الله عليه وسلم[3] “: فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله”، وقال[4]:”ادعوا المسلمين بأسمائهم، بما أسماهم الله عز وجل: المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل”.

ثم بعد الغزو الفلسفي اليوناني والفارسي والهندي لأمة الإسلام، كثر الجدل والتمنطق والسفسطة في موضوع الأسماء والصفات وغيره من قضايا التوحيد. فاضطر بعض الفقهاء إلى مجاراة التيار وتوظيفه ضد نفسه، حفاظا على العقيدة. بتأويل الصفات الموهمة بالتشبيه بضرب من المجاز المعنوي القريب. ولكن هذه الخطوة فتحت هوة عميقة يصعب ردمها. هي هوة التأويل المغالي المتأثر بالفلسفة والتفكير الاعتزالي المغرق في التعطيل. فكان رد الفعل العفوي، ظهور نزعة رفضت التأويل مطلقا ولم تلتزم بنهج الصحابة، فغالت في إثبات الصفات إلى حد إجرائها على ظاهرها، متأثرين بالتفكير اليهودي الذي يقول بالتشبيه الصرف. وأصحاب هذه النـزعة هم طائفة المشبهة والمجسم والحشوية. وقد حاول المماليك نسبة ابن تيمية ظلما إليهم لأسباب سياسية لا يتسع المقام لذكرها.

هكذا انقسم تيار العقيدة إلى اتجاهين :

     1 – اتجاه الصفاتية، وأولهم جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين على النهج النبوي الرشيد. ثم من جاء بعدهم الذين يثبتون الصفات ويشرحونها بضرب من ا لمجاز القريب. ثم غلاة التجسيم والتشبيه، ثم الأشعرية الذين نهجوا نهج السنة، ولكنهم استعانوا في إثبات العقائد بعلم الكلام، والجبرية الذين لا يثبتون للعبد فعلا ولا قدرة، أو يثبتون له قدرة غير مؤثرة.

     2 – اتجاه المعطلة بجميع مللهم ونحلهم المتأثرة بالفكر الاعتزالي المغرق في الاعتداد بالعقل وجعله فوق النص.

كان أهم حدث في هذه المسيرة العقدية هو ظهور علم الكلام المبني على المنطق الصوري، والذي استحدثه بعض علماء المسلمين لإثبات العقائد الدينية على الغير بواسطة إيراد الحجج ودفع الشبهات وقمع فتن الفلسفات الوافدة. وقد ساهم هذا العلم في حينه، في رد كيد الكائدين والمنحرفين. إلا أن نجمه قد أفل في العصر الحديث، بظهور مناهج في التفكير أقوى وأكثر اتزاناً ومصداقية من منهج المنطق الصوري الذي بني عليه علم الكلام. وبالانفجار المعاصر الهائل في ميدان الاختراعات والاكتشافات والعلوم المادية، وانفتاح آفاق الآيات الكونية على مصراعيها، والثورة المعلوماتية والاتصالاتية، وظهور مناهج للبحث والاستقراء والتجريب والمحاجة مبنية على مبادئ العلم رياضيات وفيزياء وهندسة..، مما غير استراتيجية التعامل في ميدان العقائد، وجعل الكرة الأرضية قرية واحدة يحاول كل فرد فيها معرفة جاره عقيدة وسلوكا وأعرافا، وهذا يلقي على عاتق المسلمين- علمائهم خاصة – مسؤولية استحداث علم جديد للإقناع والاقتناع، مبني على أحدث طرق الاستدلال وأكثرها دقة. والاستفادة من الآيات الكونية التي فتح الله آفاقها للناس، وبين الحكمة من ذلك بقوله: ) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت 53.

ذلك أنه بالتجربة والمشاهدة حالياً، كلما اتسع أفق العلم والاكتشاف ازدادت قوة الحجة في القرآن الكريم، وانفسحت بالتقدم العلمي أسراره المعجزة، واتضح مدى ارتباطه بخالق الكون، وانكشف في الوقت نفسه، زيف ما سواه من الأديان، وانبناؤها على الخرافة والشعوذة والأوهام. بل إن العلم الحديث، الذي يسير دفته حاليا غير المسلمين، يساهم عمليا في شرح بعض الآيات الكونية في القرآن، وتفسيربعض ما عجز المؤمنون به عن فهمه منها. وحسبنا من ذلك مثلا قوله تعالى عن توجيهات إبليس لعنه الله للبشر :{ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } النساء 119، فقد فسرتها حاليا مكتشفات العلماء غير المسلمين في ميدان علم الأجنة والوراثة والاستنساخ. ثم لما عارضهم المجتمع الإنساني لأسباب أخلاقية، أجابوا بأنهم يأملون أن ينفعوا البشرية بهذا الاكتشاف ويسخروه لعلاج الأمراض المستعصية. وجوابهم هذا أخبر به القرآن الكريم تعقيبا منه على الآية السابقة. قال تعالى {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً } النساء 120.

وما دام الإنسان قد فتح الله له باب الاستخدام الجيني والوراثي وكشف له بعض أسراره، فلم يعد مستبعدا ماديا وعلميا على الأقل، ظهور الدابة المذكورة في القرآن، التي تكلم الناس. ذلك أنه بأدنى خلل أو خطأٍ أو تلاعب بالمورثات، قد تخرج من مختبرات الأجنة والاستنساخ. يقول تعالى :{ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } النمل 82.

إن مسؤولية استحداث علم جديد للدعوة والمحاجة والإقناع واجب، على القادرين القيام به، لا سيما في هذا العصر الذي يتعرض فيه أبناء المسلمين لمختلف الفتن والضلالات، وتتعرض فيه الأمة للانهيار في كافة الميادين. والواقع حجة واضحة وضوح الشمس. فأمامنا شواهد الأمم ذات الديانات الباطلة، التي تقدمت ماديا بتخليها عن خرافات أديانها.والأمة الإسلامية قد تأخرت ماديا وروحيا بتخليها عن دينها الحق، الذي ينظم شؤون المادة والعقيدة تنظيما ربانيا لا شبهة فيه..

 


[1] – البخاري 6/2655

[2]  –  تفسير ابن كثير1/59، سنن الترمذي5/148، سنن البيهقي الكبرى8/157، ونص الحيث: (…فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل   المسلمين المؤمنين عباد الله )

[3] – صحيح ابن حبان 14/126

-[4]  تفسير ابن كثير 1/59، سنن الترمذي 5/148، سنن البيهقي الكبرى 8/157ز

اترك تعليقاً

موقع الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي