وصايا من القرآن الكريم :”قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

وصايا من القرآن الكريم :”قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

حفل القرآن الكريم بكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته اليومية من توجيهات إيمانية ووصايا ربانية، منتـثرة بين ثنايا السور والآيات، مجتمعة و متفرقة حسب ما يقتضيه السياق البياني الإعجازي.

من هذه الوصايا عشر وردْنَ في سورة الأنعام(الآيات 151 – 152 – 153)، قال فيهن ابن عباس رضي الله عنه: ” هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء في جميع الكتب السماوية “، وقال أيضا عنها: ( في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ : {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ…” }.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتم النبوة فليقرأ هذه الآيات: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..} إلى قوله تعالى: ” {لعلكم تتقون}[1] .

وعن عبادة بن الصامت قال: ” قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم يبايعني على ثلاث؟  ثم تلا صلى الله عليه وسلم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ…} حتى فرغ من الآيات،  ثم قال:  فمن وفَّى فأجره على الله  ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه “[2] .

في هذه الآيات أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو جميع الخلق جنا وإنسا إلى سماع ما حرم الله، بشريعة الإسلام المبعوث بها إليهم حقا ويقينا ووحيا ، وقد ُصِّنَفتْ فيها المحرمات إلى ثلاث درجات في صيغة ثلاث وصايا، حسب مستوى المخاطبين تعقلا وتذكرا وتقوى . خمس محرمات منها يتجنبها مجرد العاقل الذي يميز النافع من الضار بداهة، وأربع محرمات منها يتجنبها من يتذكر ويتفكر ويشعر بالمسؤولية أمام ربه وإزاء نفسه والخلق أجمعين، وعاشرة يتجنبها من عزم على ركوب جادة الصواب كاملة وبذل الجهد لبلوغ مرتبة التقوى ؛ ولذلك ختمت الفئة الأولى بقوله تعالى {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، والفئة الثانية بقوله عز وجل : {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } والعاشرة بقوله تعالى {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

بدأت الآيات بقوله تعالى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ… } و فيها دعوة للناس أن يتقدموا و يقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستمعوا بيان ما جعله الله تعالى محرما  وليعرفوا من خلال ذلك ما جعله الله واجبا، فبدأ سبحانه بالخمس الأوليات العقلية،  ثم بالأربع التذكرية،  ثم بعاشرة التقوى .

الفئة الأولى: الوصايا التعقلية

 1- الشرك  بالله { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } الأنعام 150

وكما أن سورة البقرة تكاد تكون مختصة بجدال اليهود وكشف مثالبهم وانحرافهم، وسورة المائدة عنيت بجدال أهل الكتاب و النصارى منهم خاصة، فإن سورة الأنعام قد شرحت تمهيدا منها للوصايا العشر، حال المشركين،  وبينت أنواع شركهم وفساد عقيدتهم على أحسن وجه :

–  الشرك باتخاذ الأوثان {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } الأنعام /74.

– الشرك بعبادة النجوم و الكواكب {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } الأنعام 78

– الشرك بعبادة الجن {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ } الأنعام 100

– الشرك بالزعم أن لله بنين و بنات {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون} َالأنعام 100

فلما بين في ثنايا سورة الأنعام فساد هذه الطوائف المشركة، عقب على ذلك في أول الوصايا العشر بتحريم الشرك والتحذير منه، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} ومثله قوله تعالى في سورة لقمان 13:{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، وقوله في سورة النساء 116: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}.

وعن عبادة بن الصامت قال : ” أوصانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسبع خصال: ألا تشركوا به شيئا وإن حرقتم و قطعتم و صلبتم”[3]

2 – عقوق الوالدين: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } الأنعام151

عقب سبحانه وتعالى على تحريم الشرك، بتحريم عقوق الوالدين المتضمن أمره بالإحسان إليهما فقال:{ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، وهو مثل قوله تعالى في سورة الإسراء-الآيات 23،24-:{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} فبدأ بإيجاب العبادة لله وحده، و ثنى بوجوب الإحسان إلى الوالدين، وذلك لأن أعظم النعم على الإنسان في الدنيا هي نعمة خلق الله له، و تتلوها نعمة الوالدين اللذين هما السبب الظاهر في وجود الإنسان، وفي تربيته والشفقة عليه ورعايته والمحافظة عليه من الضياع في صغره.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال 🙁 سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: فأي ؟ قال: بر الوالدين، قلت : ثم أي؟ قال : الجهاد في سبيل الله[4])

ويقتضي الإحسان إلى الوالدين برَّهما وحفظهما و صيانتهما وامتثال أمرهما وعدم التسلط عليهما، والدعاء لهما بعد مماتهما والإحسان إلى ذوي ودهما  ومحبتهما .

3- قتل الأبناء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } الأنعام 151.

لما ذكر حق الوالدين الذين هم الأصول، أوصى بالأبناء الذين هم الفروع،  فحرم قتلهم لتستمر الحياة البشرية على الأرض هنية آمنة مطمئنة يملأها الود و الوفاء.

إن قتل الأبناء صنفان: مادي هو الوأد الذي كان معروفا في الجاهلية، لسببين أولهما الإملاق (الفقر) الذي ذكرته هذه الآية، والثاني هو الخوف من العار كما شرحته آية أخرى في سورة النحل 58-59 {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}؛ وهذا الصنف هو الذي تطور في العصر الحديث إلى ما يسمى بعملية تحديد النسل لغير ضرورة صحية بواسطة الأقراص والحقن واللوالب.

أما الصنف الثاني من الوأد فمعنوي يهمل به المرء تربية أبنائه وتعليمهم أمر دينهم، فيلقي بهم في غضب الله وعقاب اليوم الآخر .

4- ارتكاب الفواحش: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } الأنعام 151

والفواحش هنا لا تخصص بالزنا فقط، وإنما تجرى على عمومها، فتشمل ظلم الإنسان نفسه، وعدوانه على غيره سرا أو علانية، سواء كان ذلك بالشرك أو الكفر أو الزنا أو السرقة أو غير ذلك مما يدخل في عموم الفاحشة، كما توضح بإشارتها لما ظهر وما بطن من الفواحش إلى أن الإنسان إذا احترز من المعصية ظاهرا وارتكبها سرا فهو لم يفعل ذلك عبودية لله وطاعة، ولكن مراعاة منه للناس أو خوفا منهم، ومن تركها ظاهرا وباطنا فقد تركها تعظيما لأمر الله وامتثالا، وهو نفس معنى قوله تعالى : {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} الأنعام 120. وقوله عز وجل في الآية 33 سورة الأعراف {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

5 – قتل النفس: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} الأنعام151

إن قتل النفس داخل في جملة الفواحش، ولكن الله عز وجل أفرده في هذه الآية لخطورة الجريمة وعظم فحشها. والأصل الشرعي في قتل النفس هو الحرمة. وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل وقطعي، قال تعالى في الآية 32 من سورة المائدة: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)؛ وما ذلك إلا لأن النفوس البشرية كلها خلقت من نفس واحدة، والجراءة على قتل الفرع جراءة على قتل الأصل.

وليست مباشرة القتل وحدها هي الجريمة والفاحشة فقط؛ بل الإعانة على القتل بأي طريق أو وسيلة تعد قتلا، ولو بكلمة أو إشارة، أو خبر يبلغ للقاتل، سواء كان شخصا حقيقيا أو شخصا اعتباريا، كرجال السلطة الظالمة التي تبحث عن الذرائع لقتل المؤمنين وسجنهم وتشريد أبنائهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله [5]).

وقال: ( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما [6]).

وقال: (ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، لأنه سن القتل أولا[7] ).

وقال: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء[8]).

الفئة الثانية من هذه الوصايا القرآنية: وصايا لتذكر المسؤولية وعدم نسيانها.

 وتتابع الآيات الكريمة وصاياها بقوله تعالى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، وقد تضمنت أربع وصايا تختص بدرجة أعلى من درجة التعقل، وهي مرتبة تذكر المرء وعدم نسيانه مسؤوليته إزاء الخالق والمخلوق في المعاملات والسلوك، وهن:

1 – المحافظة على مال اليتيم: { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ }، وهذا يقتضي من كافل اليتيم أن يرعى ماله وينميه، وألا يضيعه بتبذير أو إسراف، حتى إذا بلغ اليتيم راشدا غير سفيه سلمه ماله كله، يقول تعالى:{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} البقرة 220، ويلحق بأموال اليتامى أموال طائفتين من المؤمنين هما:

– أموال المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة يدافعون بها عن أنفسهم وممتلكاتهم،  فيحرم النيل منها أو اغتصابها أو استغلالها لغير مصلحة أربابها.

– أموال الأمة ( المال العام) بيد المسؤولين والحكام وأعوانهم، فيحرم التصرف فيها أو إهدارها أو استثمارها واستغلالها لغير المصلحة العامة، وبغير رضا أصحابها وهم جمهور المسلمين.

ولذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه من أن يلي أموال اليتامى بقوله: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تؤمرن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مالَ يتيم[9])،كما عد أكل مال اليتيم من السبع الموبقات في قوله صلى الله عليه وسلم:(اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)[10]

2 – القسط في الكيل والميزان:{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والقسط معناه العدل، والوفاء معناه التمام، لذلك يشترط عدم انتقاص الحقوق في الكيل والميزان أخذا وعطاء، وتبادلا للمنافع بين الخلق، سواء كان مقايضة للسلع أو معاملة بالنقد أو بالذهب والفضة،  وإلا كان ذلك غشا وأكلا لأموال الناس بالباطل.

 ومن القسط تجنب الربا والنصب والخداع في التعامل التجاري مع جميع الخلق، مسلمين وغير مسلمين، من كافة الأعراق والأجناس.

3- العدل في القول والشهادة: { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى }، والقول يعني كل ما ينطق به لسان المرء، والعدل هنا معناه التزام الحق والصدق في المقال والفعال في كل وقت وحين، في حال الرضا وحال الغضب، مع القريب والبعيد، نصيحة يبذلها المؤمن لأخيه، أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، أو أداء لشهادة لا يصده عنها قريب يداجيه {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}، أو عدو يبغضه {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }  المائدة 8.

4 – الوفاء بالعهد: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }، والوفاء هو تمام أداء الحقوق والثبات عليه، وعهد الله أولى ما يوفى به، وعهود الخلق تبع لعهد الله، ولذلك قال تعالى في سورة النحل- 91: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}، وقال:{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي} البقرة 40، ومدح نبيه إسماعيل عليه السلام بقوله:{ وَاذْكُر ْفِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} مريم 54

كما بين عز وجل عاقبة الغدر بنقض العهود فقال:

– { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } التوبة 75-77. 

– {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين َالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} البقرة27 .

وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عاقبة نقض العهد في أحاديث كثيرة منها:

– ( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان)[11].

– (… ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم…)[12]

– (… ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو…)[13]

– وفي إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى وجوب الوفاء بالعهد ولو لكافر قال:( إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد)[14].

الفئة الثالثة: عاشرة درجة التقوى( صراط الله المستقيم)

وقد تضمنها قوله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }، فمن تعقل والتزم بالوصايا الخمس الأولى، وتذكر فالتزم بالوصايا الأربع الثانية، وتوج ذلك كله بالامتثال لتعاليم الوصية العاشرة المذكورة في هذه الآية الكريمة، فقد تسنم ذروة التقوى.

ولفظ التقوى مشتق من جذره اللغوي ” وقى يقى وقاية”، ومن بلغ درجة التقوى فقد احتمى بحمى الله تعالى، ووقى نفسه غضب الله وعذابه، واستحق محبته ونعيمه وجنته.

إن الوصايا التسع الأولى يجب أن يكون الالتزام بها مبنيا على صراط الله عز وجل بشروط ثلاثة هي:

– استقامة الطريق( صراطي مستقيما)، وقد أجمل بهذه الصفة جميع ما تقدم، بما يقتضي دخول سائر تعاليم الإسلام، عقيدة وشريعة وأخلاقا ونظما؛ وسمى كل ذلك( الصراط المستقيم)، وهو سبيل الله الواحد الأحد، سبيل جماعة الهدى؛ ومصيره الجنة.

– الاتباع، ويقتضي امتثال أوامر الله تعالى في كتابه الكريم، والاقتداء بنبيه عليه الصلاة والسلام في سنته وهديه.

– عدم اتباع ما سوى ذلك من سبل، لأن فيها شركا وكفرا وتمزيقا للصف المسلم، وهذا مثل قوله تعالى:{ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } الشورى 13، أمرهم بلزوم الجماعة وعدم الاختلاف، معبرا عن الحق بصيغة المفرد ( وأن هذا صراطي…)، وعن الباطل بصيغة الجمع ( ولا تتبعوا السبل…) إشارة منه تعالى إلى أن الحق واحد لا يتعدد، والباطل أصناف وأنواع ومذاهب وفرق وملل ونحل اشترعها الشيطان، وجُمّاعها الضلالة ومصيرها النار.

عن عبد الله قال ثم خط رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطا بيده ثم قال   هذا سبيل الله  مستقيما قال ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعوا إليه ثم قرأ : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [15].

وعن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:( قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس أدخلوا   الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط هو الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم)[16] .


[1] – تفسير ابن كثير 2/188

[2] – تفسير ابن كثير 2/188

[3] – تفسير ابن كثير 2/189

[4] – مسلم1/89

[5] – ابن ماجه 2/874

-[6] البخاري 6/2517

[7] – تفسير الطبري 6/194، فيض القدير 1/526

[8] – البخاري 5/2394، مسلم 3/1304

[9] – مسلم 3/1457

-[10]  البخاري 3/1017، مسلم 1/92

[11] – مسلم 3/1359

[12] – مسند الشاميين 2/391، ابن ماجه 2/1332، ونص الحديث:” يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا   سلط الله عليهم عدوا من غيرهم  فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم”

 -[13] الموطأ 2/460، ونصه:” عن عبد الله بن عباس انه قال: ما ظهر الغلول في قوم قط الا ألقي في قلوبهم الرعب ولا فشا الزنا في قوم قط الا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير الحق الا فشا فيهم الدم  ولا ختر قوم  بالعهد الا سلط الله عليهم العدو”

[14] – سنن أبي داود 3/82، سنن البيهقي الكبرى 9/145

[15]  – أحمد 1/465

[16] – تفسير ابن كثير 1/28

اترك تعليقاً

موقع الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي