أيها الإسلاميون: البر والتقوى

أيها الإسلاميون: البر والتقوى

آثرت في هذه العجالة أن أخاطب حملة الدعوة الإسلامية بقول الله تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ المائدة 2، مذكرا ومحذرا كيلا يصدق فيهم قوله تعالى في بني إسرائيل:﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ المائدة 78 – 79، والبر لغة هو الصدق والإحسان إلى الخلق، والبِرُّ: خلاف العُقوقِ، والمَبَرَّةُ مثْله. وقَدْ بَرَّ والِدَه يَبَرُّه ويَبِرُّه بِرّا ، فهو بَرٌّ به وبارٌّ، وجمع “البَرّ”: أَبْرارٌ، وجمع الأبرار: بَرَرَة.

والبِر ُّشرعا هو حسنُ الصلة مع الله والناس، أصل الكلمة كما قال الراغب في مفردات القرآن من ” البَرّ ” بفتح الباء، خلاف البحر، وتُصُوِّرَ منه التوسُّع فاشتق منه البِرّ، أي التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو قوله تعالى:﴿ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾الطور28، أي العظيم واسع الرحمة صادق الوعد جزيل العطاء، وإلى العبد تارة فيقال: بَرَّ العبدُ ربَّه، أي: توسع في طاعته، فهو من الله تعالى سعة الإحسان وجزيل الثواب، ومن العبد الطاعة والامتثال وحسن القصد، والمراد به مطلقا طاعة الله عز وجل وامتثال أمره في دقيق العمل وجليله. إذ لا صلةَ خيرٌ مِن جَعْل توجيهاته في الكتاب والسنة دليلا ومرشدا ونبراسا، ويشمل بِرَّ المعتقد توحيدا وتصورا إيمانيا سليما واضحا، وبرَّ العبادة صلاة وصوما ونسكا، وبرَّ المعاملة صدقا وخلقا رفيعا وإحسانا، ومن ثم يتسع معناه لكل خير وصلاح.

وإذا كان البر عملا للخير ومواظبة عليه، فإن التقوى هي اتقاء الشر واجتنابه، ولا شرَّ أشد من الكفر والمعصية، لذلك جمع الله تعالى في هذه الآية بين البر والتقوى لتتم بذلك للمؤمن الصالحات فقال﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، أي لِيُعِنْ كلٌّ منكم غيرَه على فعل الخير ونشره واتقاء الشر واجتنابه، عبادة ومعاملة في جميع المجالات الدينية والدنيوية. وذلك ما أجمله القرآن الكريم بقوله عز وجل:﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ البقرة 177.

وفي مقابل ذلك نهى الحق سبحانه عن كل ما ينافي البر والتقوى فقال عقب ذلك:

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ولفظ “الإثم” من أصل واحد ذي ثلاثة أحرف هي الهمزة والثاء والميم، وتدل على البطء والتأخر، والإثم مشتق منه، وهو اسْمٌ للأفعال المبطئة عن الثواب – كما يقول الراغب-، والآثم بطيء عن الخير متأخر عليه، ثم أطلق لفظ “الإثم” على كل ذنب ومعصية، ولفظ “الآثم” على متحمل الإثم. أما العدوان فهو تجاوز الحدود التي أمر الشارع بالوقوف عندها سواء في العبادات أو المعاملات.

والمراد بالآية حث المؤمنين في حالات التباغض والشنآن على التغافر والتسامح ونبذ نوازع الانتقام والتشفي، لأن الأصل في علاقة المؤمن بأخيه هو التعاون على طاعة الله، وعلى كل خير وبر وإحسان لخلقه، والتناهي عن ارتكاب الذنوب والآثام، وعن الاعتداء على الحدود الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، وعن المس بحقوق الغير مبادأة ومجازاة، فعلا ومشاركة، أو دعما وتشجيعا، أو إقرارا وسكوتا، ويستوجب ذلك عليهم الدعوةَ إلى المعروف من المعتقد والقول والعمل، وإعانةَ من آثره ورغب فيه، ونُصْحَ من رغب عنه ونأى بجانبه، لقوله تعالى:﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران 104، وقوله:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ التوبة 71، وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة منها قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، وقوله:(من أعان على خصومة بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع)، وقوله:(من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)، وقوله: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه)،

ثم ختم الحق سبحانه هذه الآية الكريمة بإنذار الذين يقرون الإثم والعدوان أو يشاركون فيهما أو يمهدون لهما السبيل إعانة أو سكوتا بقوله عز جل:﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: اجتنبوا الإثم والعدوان واحذروا أن تخالفوا أمر الله تعالى لكم بالتعاون على البر والتقوى، فإنه عز وجل شديد العقاب لمن خالف أمره وآثر عصيانه واتبع غير صراطه المستقيم.

لقد حرم الحق عز وجل تحت طائلة العقاب الشديد انتهاك كل الحرمات وأضافها إليه، تهويلا لأمر الاستهانة بها أو إحلالها، وجعل كل مس بها عدوانا على حقه وعلى حقوق عباده من كل جنس ولون ودين، أحكامُ شرعه عز وجل يَحرُم تجاوزُها، ودماءُ خلقه وأعراضهم وأبشارهم وأموالهم يحرم إهدارها واستباحتها، وحرياتهم واختياراتهم تحرُم مصادرتُها أو الاستبداد بها، وجَعَل المحافظةَ على أمن الناس وسلامة المجتمع أمانةً في عنق المؤمن، وأمَرَ بأداء هذه الأمانة إلى أهلها في مجالَي التدبير الشخصي والعام، فقال عز وجل:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ النساء 58، وقال صلى الله عليه وسلم:(أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك). ولا شك أن من استخف بشيء من حرمات الله أو حرمات عباده لا يؤتمن على عرض أو مال أو دماء أو حقوق، ومن خان الله تعالى فالأجدر به أن يخون عباده.

اترك تعليقاً

موقع الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي