الإيمان حقيقتنا الكبرى
الإيمان بالله وحده ، أو الإيمان التوحيدي ، قضية الخلق الأولى والأخيرة، على أساسها قامت السماوات والأرض، وبها يحاسب المرء يوم القيامة، وهي المحور الأزلي في الكون كله {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } الإسراء 44
إلا أن منهج اليقين في أمر التوحيد وحقيقته، وإثبات الألوهية والربوبية لله تعالى يختلف باختلاف المشارب والمذاهب، فتنحرف ببعضهم السبل وتزيغ بآخرين متاهات الطريق، باعتمادهم على مبادئ الفلسفة ذات الأصل الوثني اليوناني، أو علم الكلام والمنطق مقدمات صغرى وكبرى ونتائج، أو على استبطان النفس وهواجسها وخيالاتها وإشراقها المزعوم، مما حفلت به بعض كتب التوحيد التراثية والمعاصرة، فاضطربت الآراء ، وتعتمت التصورات، واستحدثت المصطلحات، وأصبح طالب علم التوحيد مضطرا إلى فك طلاسمه وفهم رموزه، وشرح ما به من إشارات كلامية ومنطقية واستبطانية.
ولئن كان منهج القرآن الكريم والسنة النبوية في إثبات التوحيد وتوضيح حقيقته، هو النهج الرشيد الذي ينجي صاحبه ، ويأخذ بيده إلى مرضاة الله تعالى؛ فإن الداعية الإسلامي- بحكم التزامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الناس إلى طريق الهدى- يواجه بين الفينة والأخرى انحرافات عقدية يعتنقها بعض محاوريه ، جذورها لدى المتكلمين والفلاسفة أو الباطنيين من مختلف الفرق والمذاهب ؛ مما يفرض عليه معرفة هذه الآراء المنحرفة والمعتقدات الضالة للرد عليها وكشف عوارها وفسادها .
لا شك أن الداعية ملتزم بأمر نفسه في هذه القضية ، كما هو ملتزم بأمر غيره ؛ لأنه مأمور بالتبليغ ومسؤول عنه : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } البقرة 143
وأخطر مسؤولية في هذا الشأن ، هي مسؤولية الدعوة إلى عقيدة التوحيد ، وما يترتب على ذلك من الإيمان بربوبيته عز وجل وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، والتصديق بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، مما يمثل الحقيقة الأولى والكبرى في المجالين الشخصي والحركي للداعية المسلم.
هذه المسؤولية تفرض عليه أن يوسع مداركه الإيمانية والعقلية والعلمية ، ويكتسب القدرة على الشرح والتوضيح والإقناع ؛ فيعرف المنهج الرباني حق المعرفة ، كما يعرف المناهج المنحرفة وما بها من مثالب وفساد وانحراف { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِين} الأنعام 55. ذلك أن معرفة الصواب تكون لتطبيقه والدعوة إليه، ومعرفة سبيل المجرمين تكون لتجنبها والتحذير منها .
في هذا الاتجاه، كان مفيدا للداعية الإلمام بعلم التوحيد والاطلاع على معاني مصطلحاته ورموزه، ليميز الغث من السمين ، والحق من الباطل ، والصواب من الخطأ ، وليعرف مكامن الخلل في معتقدات بعض مخاطبيه من ضلال المذاهب والطوائف .
لاشك في أن دراسة علم التوحيد لا تكسب وحدها عقيدة التوحيد ، فكم من عالم ليس له خَلاق في الآخرة ، وكم من مجادل بعلم الكلام اكتشف في نهاية حياته باطل ما كان يدعو إليه ؛ وحسبنا شهادة الإمام الرازي عندما حضرته الوفاة فبكى وقال : ( لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية ، فلم أجدها تروي غليلا ، ولا تشفي عليلا ، ورأيت أصح الطرق طريق القرآن ) ، وترك وصيته المشهورة التي قال فيها : ( لقد اختبرت الطرق الكلامية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم ؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى ويمنع التعمق في إيراد المعارضة والمتناقضات . وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية [1]).
إن العلم بالتوحيد وحده لا يكسب المرء عقيدة التوحيد ، وإنما الذي يكسبها قلب حي وعقل رباني يقظ يتوجهما الصدق في التوجه والنية ، ويحليهما الصدق في الطاعة والاستسلام ، ويزكيهما الصدق في التعامل والتصرف وابتغاء الآخرة : {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} ق33 ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } ق37
وكل ما يجنيه الداعية من علم التوحيد هو القدرة على رد الشبهات الواردة ، والنظر في المعضلات المعترضة ، ومعرفة مصادرها ومصطلحاتها ، ومجادلة أهلها بالحسنى، ومحاولة ردهم إلى صراط الله القويم ، ومنهجه القرآني السليم . وهذه حاجة الداعية الملتزم بأمر الناس ، أما غيره من المؤمنين المكتفين بأمر أنفسهم فقط ، فيكفيهم القرآن والسنة في إثبات حقيقة التوحيد ومؤداه، نعم النبع الصافي والسلسبيل الرباني الصرف. والأصلح لهم ألا يخوضوا في شبهات المنحرفين .
إن التوحيد والوحدانية، حقيقة مركوزة في ضمير الكون جنه وإنسه ، وملائكته وعوالمه ، وكلٌّ آتي ربَّه عز وجل طوعا أو كرها . إلا أن الحكمة الإلهية اقتضت في أمر الجن والإنس ابتلاءهم في الحياة الدنيا بتكاليف الإسلام المبني على الإيمان بوحدانية الخالق وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وشريعته على نهج خاص تـنـزل به القرآن الكريم والسنة النبوية ، مما يوجب على المسلم تحقيق منهج اليقين في أمر المدخل الرئيس للإسلام وهو الإيمان ؛ فما هو الإيمان لغة واصطلاحا ؟ .
إن لفظ “الإيمان” مشتق من فعل “أمِنَ” يأْمَنُ” كفرح يفرح . والهمزة والميم والنون أصلان متقاربان ، أولهما بمعنى الأمانة التي هي ضد الخيانة ، ومعناها سكون القلب وطمأنينته (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ) البقرة 283.
وثانيهما : يعني التصديق ، ومنه قوله تعالى :{ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِين } يوسف17، أي مصدق لنا .
ومنه أَمُنَ الرجل على وزن كَرُمَ ، أي صار أمينا ومؤتمنا . وبيت آمن : ذو أمن ، قال تعالى:{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } البقرة 126. ورجل أُمنة بضم الهمزة وفتح الميم كهُمَزة ، إذا كان الناس يأمنونه ولا يخافون غدره . ورجل أَمنة بفتح الهمزة والميم إذا كان يصدق كل ما يسمعه ولا يكذب شيئا .
والأمنة : الأمن ، ومنه قوله تعالى :{ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} آل عمران 154
وأمنته على كذا : ائتمنته :{ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُون} يوسف11
والأمن ضد الخوف ، وهو عدم توقع مكروه في الزمن الآتي ؛ وأصله طمأنينة النفس .
وآمن به : آمنه التكذيب فلا يكذبه أبدا ، وصدقه .
والإيمان لغة : هو التصديق .
وأصل لفظ ” آمن ” أأمن بهمزتين ، لينت الهمزة الثانية . وهو فعل متعد بنفسه ، فيقال:أمنت ، فأنا آمن، وآمنت غيري ، أي صدقته ، أو أعطيته الأمان والأمـن ، قـال تعـالى : { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } قريش4 ،كما يتعدى باللام فيكون معناه التصديق والإذعان :{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ } يونس 83
كما يتعدى لفظ ” آمن ” بالباء باعتبار معنى الاعتراف ، لأن التصديق لا يعتبر بدون الاعتراف {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } البقرة285
واسم الفاعل من ” آمن ” مؤمن ، وهو من أسماء الله الحسنى {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } الحشر23 ، ومعناه أنه عز وجل مؤمن لأوليائه ، يؤمنهم من عذابه و لا يظلمهم ، وأنه سبحانه وتعالى يصدق ما وعد به عباده من الثواب .
فإن أطلق لفظ ” مؤمن ” على الإنسان دل على أنه مصدق بالله ، مذعن لتعاليمه.
والتصديق يكون بالقلب وباللسان ، وبالإذعان للتعاليم الإلهية تطبيقا عمليا . وهو ما يشير إلى أركان الإيمان الثلاثة ، التي هي المعنى الشرعي الذي نقل إليه القرآن الكريم لفظ الإيمان من معناه اللغوي ، وهو ما فهمه السلف الصالح وما بينه لهم النبي عليه الصلاة والسلام[2] عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان والإحسان ، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم متضمنا قيام الجسم بوظائف الأحكام إقرارا لسانيا بالشهادتين، وعملا بأركان الصلاة والصيام والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلا، وقياما للقلب بوظائف الاستسلام إيمانا وتصديقا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم جمع ذلك في قاعدة كلية هي الإحسان الذي هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
إن الإيمان الحق ، يقين في القلوب، وإقرار بالألسن، وعمل بالجوارح في الطاعات، وهي كلها أفعال وأعمال .
فأفعال القلوب تتناول المعرفة بالله، بواسطة كل ما وضع له الشرع دليلا نقليا، فلا تعتقد القلوب اسما لله تعالى أو صفة إلا ما ورد به القرآن والسنة. كما يقتصر في الإقرار اللساني على ما وردت به النصوص، أما الجوارح فتعمل طاعة لله تعالى في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك .
والأصل لدى المؤمن المعرفة بالله تعالى تصديقا وإقرارا ، والطاعة المترتبة على هذا الأصل إيمانا واحتسابا ؛ ولذلك يزيد الإيمان وينقص ؛ فمن ترك شيئا من الطاعات نقص إيمانه ، وما زال العبد يتقرب إلى الله بالطاعات فيزيد إيمانه ويقوى ، وهو ما يفهم من الحديث القدسي الذي رواه صلى الله عليه وسلم عن ربه، أن الله تعالى قال: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ) .
ولذلك ورد الإيمان في القرآن الكريم بكل معانيه المتعلقة بأعمال القلب واللسان والجوارح:
ورد بمعنى التصديق القلبي : {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِن الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } المائدة41 ، {قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الحجرات14
وورد بمعنى الإقرار اللساني : {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } البقرة136 ، {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} المائدة111
كما ورد بمعنى أن الإقرار باللسان وحده ليس إيمانا : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} البقرة 8 ، {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} المائدة61
كما ورد الإيمان بمعنى العمل {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } البقرة143 ، أي أعمالكم ، وأن العمل وحده بدون تصديق قلبي غير مقبول { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } النور39
إن الإيمان عمل كله ، سواء كان اعتقادا في القلب أو إقرارا باللسان أو عملا بالأركان ، وهو ما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم[3] عندما سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ” إيمان بالله ورسوله ، قيل ثم ماذا ؟ ، قال : ثم جهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا ؟ ، قال ثم حج مبرور.
وهذا ما كان عليه السلف الصالح الذين قال فيهم رب العزة تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} الأنعام82 . والذين أمرنا بأن نؤمن بمثل ما آمنوا به فقال عز وجل:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا } البقرة137، والظلم في قوله تعالى:{وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} معناه الشرك وانحراف القلب في الاعتقاد، أو خطأ اللسان في الإقرار، أو فساد العمل في الطاعة .
ولقد ضلت عن هذا النهج الرشيد فرق وطوائف كثيرة:
منهم من قال : الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان فقط ، وما سوى ذلك أعمال يرجأ ( يؤخر ) أمرها إلى الآخرة ، وهم المرجئة.
ومنهم من قال : الإيمان إخلاص بالقلب وإقرار باللسان ، وهم مرجئة الصوفية.
ومنهم من قال : الإيمان معرفة بالقلب دون عمل أو إقرار باللسان.
ومنهم من قال : الإيمان إقرار باللسان فقط وأن المنافق مؤمن الظاهر ولو كان كافر السريرة.
ومنهم من اعتقد بقلبه وأقر بلسانه ، ولكنه تصور الله وعلاقته بالخلق على غير الصواب ، ووصفه تعالى بأوصاف زينها الهوى أو أوحت بها الثقافات الضالة.
كل هذه الفرق والطوائف تلتمس دعما لانحرافها بتأويلات مغالية وضالة للنصوص، وتوظيف فاسد للأخبار والآثار الموضوعة والمنكرة والضعيفة ؛ وكل ذلك خارج عن نطاق الشرع سواء كان المرء في موقفه هذا مقلدا لغيره أو مبتدعا بنفسه.
[1] – التفسير الكبير للرازي ، الجزء الأول– تعريف المؤلف، صفحة: ل- م
[2] – مسلم1/37 ونص الحديث:” بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن إمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”
[3] – البخاري 2/553، مسلم 1/88