غسل الأدمغة وتغيير المعتقدات
اعتبار دماغ الإنسان مادةً أولية، للحاكم حقُّ إعادة تشكيلها بتغيير طابعها أو الانتقاص منها أو إعدامها، كان غاية المستبدين منذ نشأ الاستبداد وكان السيف والتعذيب وسيلة له في كل عصر، إلى أن تطور علم النفس بما قام به أبو علم الأعصاب الروسي ألكسندر لوريا، ومؤسس علم النفس السلوكي بافلوف، من تجارب للتحكم في عقول بعض الأفراد وتغيير عواطفهم وسلوكهم، ومحاولاتٍ لتأسيس برامج لغسل العقول تمّ استغلالها في الاتحاد السوفيتي، من أجل ترسيخ حكم ستالين بعد الثورة البولشفية، وعقب قتله معظم منافسيه، وفتحه معسكرات رهيبة لغسل أدمغة بقية معارضيه، بما وضعه لوريا وبافلوف من نظريات وأساليب وطرق تجعل المرء تحت تأثير التعذيب النفسي والمادي وجلسات التلقين بالإكراه المادي والمعنوي يعترف بما لم يرتكب من الجرائم، ويندم على ما اعتنقه من عقائد، ويشعر بالذنب على ما كان عليه من الحق، بل ويتحول إلى داعية لما لقنوه إياه في السجن وحال خروجه منه، فإن لم تفلح هذه الأساليب قتل في السجن بمختلف أدوات القتل (الرحيم) أمراضا مستزرعة في جسده أو تغذية ناقصة وقهرا وإذلالا وحربا عليه نفسية واجتماعية، وغير ذلك من الوسائل والأدوات الشيطانة التي تفننوا في اختراعها وتطويرها.
إن هذه المعسكرات الرهيبة التي أقامها ستالين ونجح بها في تثبيت سلطته وتحويل بعض معارضيه البرجوازيين الذين رأى عدم قتلهم إلى مناضلين اشتراكيين، ما زالت قائمة إلى يومنا هذا على رغم شعارات حقوق الإنسان التي يتغنى بها الشرق والغرب:
أحد هذه المعسكرات أقيم حديثا في الصين واعتقل فيه إخوتنا في الدين مسلمو الإيغور، من أجل إبادتهم عقديا بتغيير عقيدتهم أو إبادتهم جسديا باحتجازهم في السجن إلى وفاتهم.
أما المعسكرات الأخرى فأقيمت وتقام للمسلمين السلفيين في عدد من سجون المغرب منذ حوالي عشرين سنة، وتطبق فيها نظريات لوريا وبافلوف لنفس الأهداف التي طبقها به ستالين، من أجل أن يغير إخوتنا السلفيون فيها عقيدتهم ويتخلوا عن أركانها.
ومن العجيب أن بعض الشخصيات المنتسبة للفقه والأحزاب المنتحلة للمرجعية الإسلامية في المغرب يبذلون كل جهودهم لعرقلة الإفراج عن نزلاء معسكرات الاعتقال هذه، تحسبا لمنافسة وتضييق محتملين لهم في المجال السياسي، بل ويدافعون في مقابل ذلك عن جميع غير الإسلاميين من دعاة الإلحاد والدعارة والحيوانية والتنكر لثوابت الدين والأخلاق الإنسانية السوية.
إننا بمناسبة أفول سنة 2019 وبزوغ سنة 2020 نعلن تضامننا غير المحدود مع إخوتنا المحتجزين في معسكرات الاعتقال الستالينية في المغرب والصين، واستنكارنا لما يطبق فيها من تعذيب وتجريب للأساليب الشيطانية الرامية إلى إذلال النفوس وتغيير المعتقدات والتصفية الجسدية بالسجن، وندعو إلى مناصرتهم والدفاع عنهم والدعاء لهم بالفرج، والدعاء على من يرضى بما هم عليه أو يسكت عنه أو يسعى لاستدامته
الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي الحسني