الكهنوتية واعتقال التشريع الإسلامي
في هذه الظروف التي تُغْزَى فيها ديار المسلمين مشرقا ومغربا، تجتاحهم عاصفة من الفتاوى السياسية الضالة التي يصدرها علماء السلطان وديدان القراء الذين كلفوا باحتكار فهم الدين والتحدث باسمه، مما يعد إشارة خطيرة إلى ما يراد من اعتقال للإسلام عقيدة وشريعة ونظام حكم وسلوك ومدافعة، وهو أشد وسائل تعطيل العقل المسلم وأخطر أساليب مصادرة الإسلام باستحداث نظم كهنوتية رسمية أو رهبنة متأسلمة يخضع لها المسلمون فتصادر أحكام شريعتهم وتغيرها نسخا واستبدالا وتأويلا بما تقتضيه مصلحة الأنظمة السياسية.
ولئن كان الحديث عن الكهنوتية والرهبنة بين المسلمين في هذه الظروف، برغم ما يشوبه من حساسية، نابعا من عقيدة مدافعة الشر واستبانةِ سبل المجرمين لاتقائها وتَسَقُّطِ مواقع الفتن لاجتنابها، فلأنَّ الكهنوتية والرهبنة سبيل إلى الباطل، ونفق مظلم إلى الانحراف. لا سيما وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الأنعام 55
إن الكهنوتية لغة واصطلاحا هي وظيفة الكهان، اشتق لفظها من فعل ” كهن يكهن” على وزن منع ونصر وكرم، كهانة وتكهنا بمعنى رجم بالغيب وقضى به ظنا وتخمينا فهو كاهن والجمع كهان، أما الحرفة فالكهانة والكهنوتية. ولقد عرفت معظم الديانات القديمة نظام الكهنوتية، وتطور لدى كل منها، وإن بقي المحور الذي تدور حوله دائما هو “الكاهن”.
كما أن الرهبنة أسلوبا للعبادة وتوجيها للخلق والهيمنة عليهم في الأديان غير السماوية ليس لها أصل معروف، وهي لذلك منشأ وتطورا محض افتراء ودجل وشيطنة، لكن لها لدى المسيحيين أصلا معروفا دينيا وتاريخيا منذ ابتدعت من بعضهم التزاما ذاتيا بالانقطاع للعبادة في الخلوات بعيدا عن أنظار الخلق، ونذرا نذروه في ظروف القمع والاضطهاد التي سلطت عليهم زمن الاستضعاف، فأقرهم الله تعالى عليه اختبارا وبلاء، قال تعالى {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} الحديد 28.
مثل هذا الابتداع والتقرير معروف في الديانات السماوية، فقد نذر يعقوب عليه السلام أن يحرم على نفسه وبنيه لحوم الإبل وألبانها إن شفاه الله من مرض ألم به، فكان تقرير الله تعالى إياه على ذلك بقوله عز وجلك:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} آل عمران 93.
كما أن النذر في الإسلام معروف ومشروع بقيود معينة، ومعناه إلزام المكلف نفسه شيئا لم يكن واجبا عليه أو مطلوبا منه، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه بقوله:(إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل).
ولا شك أن الرهبنة أيضا أولَ ابتداعها لم تكن نظاما كهنوتيا يهيمن على الخلق ويستعبدهم، وإنما كانت عملا فرديا يلجأ إليه المرء اضطرارا كما هو حال حركة الزهد والفرار من الفتن لدى المسلمين قبل أن تتطور إلى تصوف.
هذا المسار الذي انزلقت إليه الرهبانية هو نفس المسار الذي زلت فيه حاليا أقدام بعض علماء السلطة لدى المسلمين إذ تنادوا بأوامر من حكامهم مصبحين أن اغدوا فرادى وجمعيات محلية وعالمية على ساحة الفتاوى الرسمية احتكارا وتسييجا وتسويرا وحماية من (تطاول) العلماء الصادقين الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم.
إنه النفق المظلم الذي ينوي أعداء الأمة وأتباعهم من الحكام اعتقال التشريع الإسلامي فيه، وتركيع المسلمين للظلم والفساد والاستبداد بواسطته، ولا شك أن في تمكن هذا الاتجاه واتخاذه أنصارا ودعاة وجنودا من المتفقهة وعباد الدرهم والدينار أكبر الخطر وأشد الفتن على البلاد والعباد، لأن محاولة الاحتلالِ الأجنبي لأرضهم والسعيِ للتحكم في شعوبهم لم تعد مدججة فقط بأشد الأسلحة العصرية فتكا، وإنما أيضا بعلماء من بني جلدتهم وعقيدتهم. علماء يحاولون تأسيس كهنوتية في المجتمع الإسلامي ما أنزل الله بها من سلطان، علماء قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم:(أخوف ما أخاف على أمتي بعدي الأئمة المضلون) وقال: (غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال، الأئمة المضلون)، وقال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل. وعن زياد بن حُدَير قال قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء. وقال الغزالي رحمه الله تعالى: وأما الآن فقد قيدت الأطماعُ ألسنَ العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لم تساعد أقوالُهم أحوالَهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا، ففساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء بإستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر.