ثلاث لبنات للإيمان في قوله تعالى:﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً… ؟﴾ الأنعام 19

ثلاث لبنات للإيمان في قوله تعالى:﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً… ؟﴾ الأنعام 19

ثلاث لبنات للإيمان في قوله تعالى:﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً… ؟﴾ الأنعام 19

قال الله تعالى:﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)﴾

في الآيات السابقة من سورة الأنعام عرض الوحي على المشركين كليات عقدية شتى تنتظمها شهادة لا إله إلا الله، ألوهيةً وربوبيةً وأسماءً وصفاتٍ، ووحيا ونبوة وترهيبا وترغيبا، ممثَّلةً فيما فطره الله تعالى ودبره من الكون سماوات وأرضا و ظلمات ونورا، وما خلقه من الملائكة والإنس والجن، وما قدَّره من الآجال والأقوات والأرزاق، في مقابل ما كان أهل العداوة من المشركين يبادرون به من الاعتراض بمختلف الكفريات والشُّبَهِ، ملتمسين لذلك شتى ضروب الجدل والمراء والتشكيك وإنكار ما هو معلوم بالحس والعقل، مما رد عليه الحق سبحانه وبين أن قصدهم من ذلك لم يكن طلبا للهدى والمعرفة بقدر ما كان محاولة للصد عن الإيمان، كراهية وتعصبا وعنادا ومكابرة ولددا وفجورَ خصومةٍ، كما قال تعالى:﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الزخرف 58. هذا دأبهم في الاعتراض والمراء منذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك حذر منه أمته بقوله صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثم تلا هذه الآية من سورة الزخرف. كانوا ما بلغهم من وحي إلا جادلوا فيه، وما سألوا آية فأتاهم بها إلا قالوا ساحر، حتى إذا أعياهم الاعتراض سألوا أن يرسل الله تعالى معه شاهدا من الملائكة يصدقه كما في قوله تعالى:﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ الأنعام 8،  ثم لم يكفهم هذا التنطع والشغب بالباطل فسألوه ما يثبت صحة نبوته وحقيقة ما يدعو إليه من التوحيد، فقالوا فيما روي عن ابن عباس: يا محمد، ما وجد الله غيرك رسولا، وما نرى أحدا يصدقك، وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة، فأرنا من يشهد  لك بالنبوة، فأنزل الله عز وجل قوله:﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية..

لقد سألوه صلى الله عليه وسلم شهادة قاطعة على نبوته، وعلى إثبات ما يدعو إليه من وحدانية الله تعالى والبراءة من الشركاء والأضداد والأنداد والأمثال والأشباه، وهم يضمرون الطعن في كل ما يأتيهم به، لذلك أفحمهم الوحي بسؤال يلقيه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر من ربه، يختم به جدلهم العقيم بقوله تعالى:

﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾ ولفظ “شيء” أصله اللغوي من فعل “شاء يشاء مشيئة، أي: أراد، والشيء بذلك مرادف لفظ”المراد”، مصدر بمعنى الأمر المَشيء، أي المراد الذي يتعلق به القصد، والشيء هو الواحد من الأشياء التي شاء الله تعالى أن تكون، فتقول شيء من أشياء، أي بعض من أبعاض، وقال سيبويه:”الشيء أعم العام”، لذلك يقع على كل ما أُخبِر به من العقليات والماديات حسنها ورديئها، وعلى البعض مما يجري حديثُك أو سؤالك عنه، كقولك: وإن من شيء في المكتبة إلا قرأته”، بل يتناول حتى غير الموجود كما في قوله تعالى:﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ الكهف 23. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ﴾ الإسراء44، وقوله:﴿وَإِن مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ الحجر 21، وقوله عز وجل:﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص 88، أي  كل مخلوق يهلك لكن الله تعالى باق لا يموت[[1]]،  كما في قوله تعالى:﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن26-27.

أما لفظ “الشهادة” فأصله حروف “الشين والهاء والدال” أي “شهد”، وهو لفظ مشترك يدل على حضور وعلم وإعلام، من معانيه: الخبر القاطع كما فِي اللسان، والبينة الواضحة والحجة القاطعة والدلالة عقلية كانت أو محسوسة، وقوله تعالى:﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ آل عمران 18، أي قضى الله وحكم وأعلم  وبيَّن.

وبما أن المشركين كانوا يؤمنون بالله ويعدلون به غيره من آلهة الشرك، فإنهم سألوه صلى الله عليه وسلم عن الحجة القاطعة والشهادة الأقوى والأعدل من جميع الشهادات على أن الله واحد لا شريك له وأنه أرسل محمدا رسولا بالهدى ودين الحق، لذلك جاء التعبير عن الحجة والشهادة بلفظ “شيء” على سبيل الاستعارة،[[2]] كأنما قيل: أي حجة هي أكبر الحجج، أو أي شهادة هي أكبر الشهادات؟ كي يسلم التعبير من تكرار لفظ “شهادة” فلا يقال: أي “شهادة أكبر شهادة”. لاسيما والشهادات على التوحيد وصحة النبوة أكثر من أن تحصى، في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها شهادة الملائكة وأولي العلم، كما في قوله تعالى:﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ آل عمران 18- 19، وشهادة ما خلق الله تعالى من الأنفس وما برأه من الكون. 

وعلى هذا يكون المستفهَم عنه بحرف “أيّ” في قوله تعالى:﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ الأنعام 18، فردا من أفراد الشهادات هو أقواها وأكبرها وأصدقها، ويكون معنى الآية: قل يامحمد لأهل مكة من المشركين: أي حجة قاطعة أو شهادة ثابتة أو بينة واضحة هي أكبر وأقوى على إثبات وحدانية الله التي أدعو لها وصدق النبوة التي جئت بها؟”، فإن أجابوك بالحق الذي طالما بَيَّنْتَه لهم، وإلا فتولَّ أنت الجواب بنفسك وواصل حديثك إليهم ثم:

﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، ولفظ “شهيد” من أسماء الله الحسنى، من أبنية المبالغة بصيغة فعيل، من معانيه: العليم الخبير بما يكون من نوايا خلقه وأقوالهم وأعمالهم. ولكنه في سياق هذه الآية الكريمة معناه: الله حَكَمٌ عدل يفصل فيما بيني وبينكم من خلاف انتحلتموه بالباطل، حكمه تعالى أعدل حكم وأقوى دليل وأثبت بينة، وكأنما قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، تمهيد ومقدمة لبيان طبيعة الحجة المطلوبة والشهادة القاطعة، وتحذير للمشركين من خطورتها وعاقبة تكذيبها والإصرار الغبي على جحودها والتشكيك الجاهل بها، والآية بذلك جملة اعتراضية بين السؤال عن أكبر شهادة في قوله تعالى:﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾ وبين جوابه الذي هو قوله تعالى بعدها:  

﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ أي: وقد أوحى الله إليَّ بهذه الشهادة الأكبر التي سألتمونيها وهي القرآن، كلام الله تعالى، أكبر الشهادات، وأصدق الحجج، وأقوى البينات على صحة ما أدعوكم إليه. والجمهور على أن لفظ “أوحي” مبني للمجهول حذف فاعله للعلم به وهو الله تعالى، والقرآن هو الموحى به، وقرأها بعضهم على بناء الفعل للفاعل ﴿وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآنَ﴾ وضمير الفعل يعود على الله، والمعنى كما في السياق القرآني أن الله الذي هو شهيد وحكم عدل في الخلاف بيني وبينكم قد أوحى إلي بهذا القرآن الذي هو شهادته الكبرى وحجته العظمى على الوحدانية والتوحيد والرسالة والرسول، وقد عجزتم عن معارضته والإتيان بمثله عندما تحداكم الحق سبحانه به فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ الطور 33-34، وقال:﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يونس 38،وقال:﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هود 13-14، فكان هذا القرآن بإعجازه لفظا ومبنى ومعنى دليلا على أنه من عند الله تعالى، وأن مافيه هو شهادته تعالى على ما جادلتموني فيه. وهو البينة والحجة والدليل على صحة ماجئتكم به من التوحيد والرسالة، وهو تبعا لذلك حجة الله عليكم إن أعرضتم عنه، وحجتكم عند الله إن أخذتموه وعملتم به، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مِثْلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة). ثم بيَّن أول غاية لنزول القرآن وهي النذارة فقال:

 ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ والإنذار لغة هو التخويف، أي لأخوفكم وأحذركم من الشرك خفيا وظاهرا، مقدماتٍ وأسبابا ونتائجَ، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي وأنذر به من بلغه من غيركم أمما وشعوبا وأفرادا وجماعات، جنا وإنسا إلى يوم القيامة قال تعالى:﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الفرقان 1،  وقال صلى الله عليه وسلم: (من بلغه القرآن فكأنما شافهته، قال الله عز وجل: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ) ، لأن التكليف معلق بالتبليغ، ومن بلغه القرآن سئل عن الإيمان وحوسب به، ومن قصر من الأمة الإسلامية في التبليغ سئل عمن لم يبلغه القرآن، لأنه تعالى يقول:﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يوسف 104، وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم:(هل دعيتم إلى الإسلام؟ قالوا: لا، فخَلَّى سبيلهم ثم قرأ:﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام 19، ثم قال:(خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل أنهم لم يُدْعَوْا).

لذلك كان تبليغ القرآن سنامَ تنزيل رسالة الإسلام في واقع كل أمة، وكان أولَ وظيفة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، وقد أمر به منذ بدء بعثته بقوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ المدثر 1-2، وقوله:﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ النور 54 وقوله عز وجل:﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ المائدة 67، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: (أنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت). ثم بعد مماته صلى الله عليه وسلم أُلْقِيَ واجب التبليغ على عاتق علماء أمته، ثم على أفراد الأمة ممن سمع حديثا صحيحا أو حفظ آية وفهمها، أو استوعب حكما شرعيا يحتاج إليه الناس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني)، وقال: (نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلِّغه غيرَه، فإنه رُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم).

وبما أن النذارة كانت دائما مقرونة بالبشارة في نصوص كثيرة من القرآن والسنة كما هي وظيفة الأنبياء والرسل عليهم السلام فإن في الآية معطوفا على قوله تعالى:﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ تقديره: “وأبشركم به”، حذف لدلالة الكلام عليه وورود القرآن به في مواطن أخرى كقوله تعالى:﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ فصلت 3- 4.

إن القرآن هو شهادته تعالى على تفرُّدِه بالوحدانية المتجلية لذوي العقول السليمة، الواضحة للفطر السوية، فيما بينته آياته من أسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته، ودلائل قدرته المطلقة خلقا وإنشاء ونشرا وحشرا وتدبيرا، وما أودعه عز وجل في الأبدان من اختلاف في الأشكال والألوان والألسن والطبائع، وفي النفوس من العقول المتباينة والعواطف المختلفة والمشاعر المؤتلفة والمتنافرة، قال تعالى:﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الحشر23 – 24 وقال عز وجل:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فصلت 53، وكفى بوحدانيته عز وجل للعقلاء ظهورا أنه لا يحتاج إلى شهادة غيره كما يقول العارفون. 

والقرآن هو شهادة الله تعالى على الخلق، هو العروة الوثقى والمنجاة بين يديه تعالى، وحبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، من تمسك به رَفَعه ورقَّاه وقربه، ومن نزع يده منه ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الحج 31، به يُسألون وعلى أساسه يحاسبون ويجازون، قال صلى الله عليه وسلم: (الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ)، يشهد يوم القيامة على من هجره وأعرض عنه، ويحاجُّ مدافعا عن أهله العاملين به، قال تعالى:﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ الفرقان 30، وقال صلى الله عليه وسلم:(يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ[[3]]، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا)، وقال عليه الصلاة والسلام:(إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على الضلالة).

أما شهادة القرآن لنبيه صلى الله عليه وسلم فكانت في مواطن كثيرة من حياته في الفترتين المكية والمدنية مثل قوله تعالى:﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ الأعراف 158، وقوله سبحانه:﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فاطر 24، وقوله عز وجل:﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب 40. وقوله سبحانه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ النساء 166.

 وكان منها ما أيده الله به من المعجزات، كمعجزة الإسراء والمعراج وشق القمر في سورتي الإسراء والقمر، والأخبار الغيبية التي تحققت في حياته ورآها معاصروه من المسلمين والمشركين أو تحققت بعد وفاته، كقوله تعالى:﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الروم 2  – 5، .

 وكان منها شهادة الكتب المنزلة قبله وبشارة الرسل السابقين بمجيئه كما في قوله تعالى:﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الصف 6.

بهذه الآية الكريمة أقام الوحي على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم للمشركين تمام أدلته وشهادته على حقيقة الوحدانية والرسالة، بعد أن بين فيما سبق من آيات سورة الأنعام قدرتَه وخَلْقَه وشموليةَ ألوهيته وربوبيته وملكه، وحذر من عاقبة عصيانه والإشراك به، وضرب الأمثال بمن سبقهم من الأمم التي تمردت وتعالت فقهرها عز وجل وجعلها مَثَلاً لمن بعدها، فلم يبق بعد هذا الإشهاد والاستشهاد بالقرآن الكريم إلا إقامة شهادة أخرى عليهم من أنفسهم وبألسنتهم  إيذانا بما قد يحل بهم من سوء العذاب إن أصروا على الشرك بعد هذه الآيات القاطعة والأدلة الساطعة، لذلك أمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم مرة أخرى حثا لهم على التثبت ومراجعة ما ينتحلون من معتقدات فاسدة بقوله:

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ والجمهور على قراءة قوله تعالى:﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بهمزتين بلا مدٍّ أولاهما للاستفهام، وعند أبي عمرو وقالون عن نافع همزة الاستفهام بعدها همزة خفيفة تشبه ياءً بمَدَّة، ولفظ “تشهدون” في هذا السياق بمعني تحكمون وتدعون وتزعمون وتُقِرُّون، أي: هل ما زلتم تقرون على أنفسكم بالشرك وتدَّعون أن لله شركاء تعبدونهم معه، على رغم ما جئتكم به من القرآن الكريم الذي هو أكبر شهادة على التوحيد والنبوة ؟

والآية في مجملها استفهامُ إنكارٍ وتقريعٍ وتوبيخٍ وتقريرٍ لشهادتهم على أنفسهم بالشرك مؤكدٌ بأربع أدوات تأكيد، هي “إن” في قوله:﴿أَئِنَّكُمْ﴾ واللام في قوله: ﴿لَتَشْهَدُونَ﴾ و”أن” والجملة الإسمية في قوله: ﴿أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾، مما لا يترك لهم نصيبا من رحمة الله إلا بالتوبة والإيمان.

ونظرا لشناعة الشرك وقبح سماعه أو السماع به لم ينتظر صلى الله عليه وسلم جوابهم المعروف من سياق الحوار، بل بادر تنزها ومفاصلة لهم وبراءة من الشرك وأهله فقال بأمر من ربه:

﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ أي: لا أشهد بشهادتكم الفاسدة الباطلة، وأنكر ما تدَّعون وتزعمون من الشرك.

﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وحرف “إنَّمَا” مركب من حرف”إن” للتوكيد والنصب، وحرف”ما” الذي يكفها عن عملها، والجمع بينهما في:” إنما” يفيد الحصر، أي حصر الألوهية والربوبية والأسماء والصفات في إله واحد هو الله تعالى، والشهادة على ذلك بالجنان واللسان والنوايا والأفعال.

﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ولفظ بريء من حروف “الباء والراء والهمزة” التي تفيد التباعد من الشيء ومفاصلته والسلامة منه، على صيغة فعيل للمبالغة، أي إنني سليم من جميع أصناف الشرك ظاهرا كان أو خفيا، بعيد منها مفاصل لها. بريء من كل دين أو ملة أو مذهب غير الإسلام،  عقيدتي أنه لا إله إلا الله، لا يشارَك في أي خصيصة من خصائصه وصفات كماله.

 وهذه الآية الكريمة هي ما اعتمد عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه في الفتوى بأن على من أسلم أن يتبرأ من كل دين سوى الإسلام عقب النطق بالشهادتين.كما أنها بمضمونها ثالث لبنة في البناء الإيماني الذي جاءت به سورة الأنعام، بعد لبنتي التوحيد[[4]] والولاء[[5]]، لا يتم إيمان المرء بافتقاد إحداها. وقد قدم الوحي الكريم هذا البناء الإيماني بألين مناهج التبليغ وأكثرها رفقا ووضوحا، فسأل المشركين أولا عن أكبر شهادة – حجة أو بينة – يطلبونها على وحدانية الله وصدق نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ الأنعام 19، ثم حذرهم من عاقبة التكذيب بها إن بلغتهم، لأن بلاغها من الله الذي هو الحكم العدل القاهر في حال تشبثهم بالشرك بقوله:﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الأنعام 19، ثم ألقى إليهم بالشهادة الكبرى والحجة القاطعة والبينة الجلية على ما جاءهم من العلم بالله والصدق في رسالته ورسوله بقوله:﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام 19، وختم البناء الإيماني الذي شيدته سورة الأنعام باللبنة الثالثة بعد لبنتي االتوحيد والولاء، وهي لبنة البراءة من الشرك والمفاصلة مع المشركين بقوله تعالى:﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ الأنعام 19.

 

 

 

[1]  – المُستثنى قسمانِ مُتَّصلٌ ومنقطعٌ. فالمُتّصلُ ما كان من جنس المُستثنى منه وهو الاستثناءُ الحقيقيُّ، لأنه يُفيدُ التخصيص بَعدَ التّعميم. أما الاستثناء المُنقطعُ  فما ليسَ من جنس ما استثنيَ منه، وهو استثناءٌ لا معنى له إلاّ الاستدراكُ، كما في الآية الكريمة، إذ حرف “إلا” بمعنى “لكن” لأنه لا يستثنى من الشيء إلا بعضه، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ البقرة 34، حرف “إلا” للاستدراك بمعنى “لكن”، وليس للاستثناء المتصل، لأن إبليس ليس من الملائكة، وتقدير الآية : (فسجد الملائكة لكن إبليس أبى…).

[2]  – ذهب الجمهور إلى تسمية الله تعالى بالشيء، منهم البخاري إذ قال في صحيحه: (كتاب التوحيد: باب: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ﴾ الأنعام 19، فسمى الله تعالى نفسه شيئاً…)، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، محتجين بأدلة منها أن الله تعالى سمى نفسه “شيء” في هذه الاية، وأنه استثنى نفسه تعالى في قوله:﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص 88، والمستثنى يجب أن يكون داخلا تحت المستثنى منه، وإلى ذلك ذهب الشيخ عبد الله الغنيمان في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري فقال: (باب قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ ـ فسمى الله تعالى نفسه شيئاً)، والشيخ ابن عثيمين بقوله: (يصح أن يخبر عنه بالشيء والموجود وما أشبهه، وعلى هذا فيقال: إن الله شيء لكنه كامل، ولا نقول: شيء على سبيل الإطلاق فقط يعني: ليس مطلق شيء بل هو شيء كامل سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته).

واحتج الجهمية المعطلة على عدم جواز إطلاق “شيء” على الله تعالى بوجوه منها قوله تعالى﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الرَّعْدِ 16، ولو كان الله تعالى مسمى بالشيء للزم كونه خالقا لنفسه وهو محال.
إلا أنه بإعادة التأمل في الآية الكريمة وفي ترتيب مفرداتها وجملها وسياقها بدا لي أن شرحها لا يقتضي هذا المسار الذي سلكه الطرفان في تفسير لفظ “شيء”، لأن سؤال المشركين لم يكن عن الله تعالى وهم يعرفونه ويشركون به غيره، وإنما كان عن أكبر شهادة وأقوى حجة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما أتى به من التوحيد والنبوة. وذلك ما ذهبتُ إليه من شرحها، والله أعلم.

 

[3]  – شَرْق: بفتح الراء وسكونها، أي نور وضياء.

[4]  – قال تعالى:﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ الأنعام 3.

[5]  – قال تعالى:﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ الأنعام 14.

اترك تعليقاً

موقع الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي