العقل و القلب بين الغيب و الشهود

العقل و القلب بين الغيب و الشهود

لا شك أن طريق الدعوة محفوف بالمحن، وطريق الإيمان محفوف بالمخاطر، والحياة الدنيا كلها مؤدية إلى الآخرة، وكل الأنام ما بين خلود في الجنة، وخلود في النار. وبين داري الدنيا والآخرة طريق سيار يؤدي بمن صفت عقيدته وسلمت موازينه وقبلت أعماله إلى الجنة، ويقذف بمن اختلت عقيدته وموازينه وردت عليه أعماله في جهنم.

وركوبتنا في الطريق هي أعمالنا التي تضبط بأداتين وحيدتين، إن صلحتا قادتا إلى الجنة، وإن فسدتا قادتا إلى النار، وهما القلب العقل…

لذلك أمدنا الله تعالى ـ رحمة منه ـ بميزان للقلب و العقل يضبط حركتيهما، ويرشد تصرفاتهما.

هذا الميزان هو العقيدة السوية التي تعد نواة تدور حولها حركتا القلب والعقل.    

وكما أن القمر والأرض يدوران حول الشمس، ويستمدان منها النور، كذلك القلب والعقل يدوران حول العقيدة ويستمدان منها النور و الرشد و الصواب.

وكما أن للقمر والأرض مدارين مرسومين حول الشمس، إن حادا عنهما كان الكسوف و الخسوف، وحل الظلام ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يس 40، كذلك القلب و العقل، لكل منهما مجال خاص به فإن حادا أو زاغا عن مداريهما الطبيعيين حول العقيدة فسد الإنسان، وارتكس في الظلام… ظلام الجهل و الضلال و الغواية…

إن قضية العقيدة و دورتي القلب و العقل حولها من أخطر ما يجب على المسلم أن يبدأ به، ونعني بالعقيدة تلك التي جاء بها الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ بيضاء نقية، مستمدة من الكتاب والسنة، لا شيء معهما ولا شيء غيرهما… العقيدة التي تمشي على الأرض تعاملا مع الواقع، سلوكا اجتماعيا، و اقتصاديا، و سياسيا، في الأسرة، والمجتمع، و الدولة، وساحة العمل وميدان البحث العلمي، واستخداما لقناتي القلب العقل، أداتي المعرفة لدى الإنسان في تعامله مع الغيب والشهود، مع المادة والروح، مع الوجود الآني والوجود الموعود، مما يمثل منهجا متماسكا متكاملا متميزا.

ولئن كانت البشرية قد اكتشفت فساد المناهج البدائية والخرافية التي استندت في تعاملها مع البيئة – إنسانا وطبيعة – إلى وجود أرواح وشياطين وآلهة، تتحكم في نفوس الناس وحركاتهم الجسمية وسلوكهم اليومي، فإن العلم الحديث بدوره قد اكتشف فساد المناهج الميتافيزيقية والفلسفية التي وضعت بديلا للمناهج الخرافية في القرون المتأخرة والعصر الحديث؛ واعتمد فيها لتفسير طبيعة الكون وسلوك الإنسان على ما زعموه جوهرا وماهية وهيولى وصورة، وقوة فاعلة وطاقة حيوية وقوة كيميائية، وإرادة حياة وغرائز للدفاع والاستطلاع وبقاء النوع.

ولئن كان العلم الحديث قد استبدل أسلوبا جديدا غيرها، عده حلا سحريا لمشاكل الإنسان، وسماه ” المنهج العلمي “، اعتمد فيه على نظرية دارون، والمادية الجدلية التي تختصرها الآية الكريمة: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) الجاثية 24، فإنه قد اكتشف أخيرا عجز هذا المنهج العلمي عن الوفاء بما كلف به من مهام، وما نيط به من تكاليف، فظل يراوح مكانه تبريرا وتخبطا ومحاولة ترقيع وتلفيق.

اكتشف العلم الحديث ذلك بعد أن تبين له علميا فساد نظريته المادية التي جعلها قاعدة لمنهجه، وخطل تفسيره السلوك البشري بكونه مجردَ ظاهرة طبيعية لا تحتمل أي غموض أو إبهام أو غيبية، ومحضَ نشاط محتوم في مواجهة البيئة من أجل البقاء، لا فرق في ذلك بين انقباض عضلة أو إفراز غدة أو اختيار عمل أو ملبس أو زوجة أو علبة سجائر، ونتيجة ًمنطقيةً لأسباب مادية محضة لا علاقة لها بحرية الإنسان أو مسؤوليته عن أفعاله وتصرفاته، أو مساواته مع بني جنسه؛ وبعد أن اتضح له أن اعتبارَ السلوك البشري وسلوك أي كائن حي مجردَ استجابة لظروف البيئة، يلغي حرية الإنسان، ويجعل جميع تصرفات البشر مهما ساءت، طبيعية وغيرَ مسؤولة؛ مما عصف بكل مبادئ حرية الإنسان وكرامته وحقوقه التي تتبجح بها الحضارة الغربية الحديثة.

ولئن كانت بعض الديانات والمذاهب الضالة تدعي أن الإنسان فاقد لكل حرية في الاختيار، فإنها على الأقل زعمت أن الله تعالى هو الذي سلبه هذه الحرية، وفرض عليه جميع تصرفاته الخيرة والسيئة، ترشيدا لفطرته وتدريبا له على الخضوع والاستسلام، على ما في هذا الادعاء من بطلان.

أما ” المنهج العلمي” فإنه قرر أن الذي سلب الإنسانَ حريتَه وفرض عليه سلوكه هو الطبيعة وحرصُه على البقاء فيها، فتجاوز بذلك أشدَّ المذاهب إغراقا في التخلف والغباء، لأنه راهن على إلغاء الفطرة بدل العمل على ترشيدها وإعلائها وبلورتها وتوجيهها؛ فكانت النتيجة الوحيدة أن صمدت الفطرة وسقط ” المنهج العلمي “، معلنا إفلاسه في جميع الميادين الإنسانية، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا.

اجتماعيا بانهيار مختلف القيم الأخلاقية والأسرية والقومية والثقافية والمعرفية، لدى الدول التي تبنته في مجال العلوم الإنسانية تربية وتعليما وعلم نفس واجتماع، وبنت على أسسه أساليبها الخاصة بضبط الشعوب وتوجيهها والتحكم فيها.

واقتصاديا بالانهيار المالي والتردي الحضاري والضعف البنيوي والعجز الاقتصادي، والمشاكل الغذائية التي تعاني منها هذه الشعوب.

وسياسيا بالهزيمة المنكرة التي تجرعها المعسكر الشيوعي أخيرا في مواجهة جميع المبادئ البشرية المعاصرة، وضعية كانت أو سماوية؛ والتَّفَتُّتِ الذي آل إليه مجتمع” جنة الأرض” التي هرب منها سكانها – ولم يطردوا – بالملايين. 

إن جميع المناهج البشرية بدائية كانت أو فلسفية أو مادية ” علمية” باعتبار الخلل فيها، أربعة أصناف:

1 ـ صنف يرى بعض الوجود المادي من الغيب، ويخضعه لمقاييس غبية وضعية لا طاقة لها بفهمه وتحليله، كما هو الحال لدى التفكير الخرافي في تعامله مع الظواهر الطبيعية برقا و رعدا و زلازل ولدى التفكير الميتافيزيقي والفلسفي في تعامله مع بعض الطاقات البشرية المادية التي دعاها غرائز وقدرات وملكات، والتفكير اللاهوتي المنحرف مثلما لدى اليهود و النصارى الذين ادعوا بنوة المسيح وعزير لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

2 ـ صنف يعترف بالغيب، ولكنه يفتقر إلى مصدر محدد وموثوق به، يستقي منه معارفه الغيبية ويتحاكم إليه إذا وقع في اللبس والاختلاف وسقط في التناقض والغموض والاضطراب.

3 ـ صنف يعد الغيب غير موجود مطلقا، ويخضعه ـ بدعوى أنه محض مادة متطورة ـ لمقاييس مادية لا قدرة لها على استيعابه أو الإحاطة به.

  4 ـ صنف رابع هو أصحاب المنهج العلمي الذين يعدون الكونَ مادة متطورة، لا خالق لها، وتفاعلا مع الطبيعة سلبا وإيجابا، وبنوا علي هذا الوهم أساليبهم في البحث والاستقراء والتفكير، ثم عندما أعياهم القفز والنط وجابههم جدار الغيب، اعترفوا بمحدودية وسائلهم وقصور طرائقهم. ولكنهم لم يفكروا في مراجعة ركائز منهجهم ومنطلقاتهم، بل أخذوا ـ يقترحون بلسان الحال ـ أن تتوقف البشرية عن التطور ومعالجة قضاياها الإنسانية إلى أن يكتمل منهجهم العلمي ويكتشفوا الحلول…!

إن هذا الوضع الذي تعيشه البشرية اليوم بإفلاس جميع المناهج الوضعية في ميدان العلوم الإنسانية، وعجزها وافتضاح أمر تبجحها وادعائها، يفرض إعادة النظر في قضيتين أساسيتين من قضايا المعرفة هما:

1 ـ مجال المعرفة وهو الغيب والشهود، ومصادر البحث فيهما.

2 ـ أداة المعرفة وهي العقل والقلب، وكيف يعملان تعاونا أو تنافيا، ترادفا أو توازيا…

وهذا يجعل المنهج الإسلامي بكل موضوعية وتجرد وثقة البديل الطبيعي والحل الأمثل، لأنه بكل عفوية ويسر المنهج الوحيد الذي عالج هاتين القضيتين بوضوح، ووضع لهما ما يناسب من الأسس والمبادئ والضوابط… فبنى بذلك قيما، وأخلاقا، ومجتمعا وحضارة؛ ذلك أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ مستهل الدعوة، وقد بعث بشيرا ونذيرا ليخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومن ضنك الضلال إلى رحابة التعبد لله، والتحرر مما سواه، مؤيدا بالوحي معززا بالرسالة المنزلة كتابا من لدنه تعالى، وبالملائكة رسلا مبلغين، ومدافعين، ومشاركين في المعارك، وبالمعجزات المتعددة تترى من ضمير الغيب، لم يستغن في دعوته عن محوري العقل والقلب، بل اتخذهما قناتين أساسيتين للتبليغ، وأداتين فعالتين للتربية والترشيد.

العقل للإدراك والتدبير، والقلب للإيمان بالغيب الذي يقصر العقل عن ارتياد آفاقه، لذلك أعطت الدعوة الإسلامية أجدى النتائج، وأوفى الثمار ولكن ( لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ق 37.

لقد زاوج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين العقل والقلب طيلة دعوته، بشكل متوازن ودقيق لا يرقى إليه الخلل، فهما لديه متوازيان مترافقان في حالات، ومستقلان عن بعضهما في مجالات، ومتعاونان أو متداخلان بنسب معينة، أو مترادفان،  يقف أحدهما حينا ليتابع الآخر المسيرة، كفرسي رهان، بينهما برزخ لا يبغيان.

إن القرآن الكريم يلح على ضرورة توقير الغيب وتناوله بالقلب السليم، المليء بالإيمان الذي لا يناقش ولا يجادل ولا يسأل، مؤكدا حقائق متناهية في المطلق، لا يحيط بها العقل المجرد:

– (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) الشورى 52

– ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) هود 123

– ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) آل عمران 179

– ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) البقرة3

    كما يلح أيضا في مواطن أخرى على ضرورة استخدام العقل، وينعي على من جمد عقله وعطله، بلادته وغباءه وضلاله:

ـ (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) الأنفال 22

ـ (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) المؤمنون 80

ـ (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  (الصافات   137- 138 

ـ (وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) العنكبوت 35

كذلك أعطى الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ من نفسه المثل تعليما لأصحابه وتربية، عندما مر بجماعة وهم يؤبرون النخل ( يلقحونه ) فقال: ” ما تصنعون ؟ “. قالوا: ” كنا نصنعه “، قال: ” لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ” فتركوه فنقصت ثمار النخل، فذكروا ذلك له ـ صلى الله عليه و سلم ـ فقال: ” إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر “[1]

بمثل هذه الدقة والوضوح ميز الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ بين ما هو ديني من قضايا الوحي، وما هو دنيوي من قضايا الرأي والتفكير، بين ما يتنزل أحكاما من ضمير الغيب يسلم به يقينا، وبين ما هو مادي محض من الأمور المتعلقة بمعاش الناس، ونشاطهم وكدحهم ومصالحهم، يرجع فيه إلى العقل والتجربة والخبرة والتمييز المبني على المحاكمات المنطقية، بين ما هو قلبي لا يدرك إلا في إطار قوله تعالى:

  • ·        ( أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ ) البقرة 140.
  • ·        ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) الأنبياء 23.
  • ·        ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) الجن 26.

وبين ما هو عقلي حدد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ معالمه بقوله: ” إنما أنا بشر… “، وبَيَّنَ القرآن الكريم مجاله في قوله تعالى:

  • ·        (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) الحديد 17
  • ·        (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) العنكبوت 43.
  • ·        (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك 10.

بذلك برزت في الحقل الثقافي الإسلامي أداتان للمعرفة هما القلب و العقل، برزتا متكاملتين ومتوازيتين في اتجاه واحد يهتدي بهما الإنسان إلى الحق فيتبعه ويستبين بهما الباطل فيجتنبه.

كما برزت تبعا لذلك معرفتان: معرفة ربانية مبنية على مصدر واحد هو القرآن الكريم و السنة، مجالها ما يجب وما يحرم من الأعمال، وما يجوز وما لا يجوز من التصرفات و الأفعال، ومعرفة إنسانية تعتمد على العقل مجالها المادة وبعض تصرفات الإنسان، واختياراته التي لم ينظمها الشرع؛ وبرز التعبيران القرآنيان:” المعروف” و”المنكر”، أي: ما تعرفه القلوب والعقول وما تنكره القلوب و العقول، وهما وعاءا العبادات الإسلامية التي لا تكاد تخرج عنهما، رحمة من الله ولطفا وتيسيرا (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) الحج 41.

ولئن كان “المعروف” هو المقبول اجتماعيا و دينيا لكونه موافقا للعادة و العبادة شاملا كل ما تعارف عليه الناس من المباحات والفضائل والمعاملات التي لا تضر المجتمع، ولا تتعارض مع الدين، وكل التكاليف الدينية إتيانا وتركا، أمرا ونهيا، كما يفهم من قوله تعالى:

  • ·        (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ ) الأعراف 157
  • ·        (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ) البقرة 263
  • ·        (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) آل عمران 110.
  • ·        (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) النساء 25.
  • ·        (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) البقرة 234.  

ولئن كان المنكر هو ما لا يقبل اجتماعيا ولا دينيا كما يفهم من قوله تعالى:

  • ·        (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ ) العنكبوت 29.
  • ·        (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا ) المجادلة 2.

وقوله صلى الله عليه وسلم:[2] ” البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس”، فإن هذا المعروف وهذا المنكر بشقيهما الغيبي والشهودي، لا يعرفان إلا بالعقل والقلب مسترشدين بالوحي الإلهي، والتوجيه القرآني، وبالتفكير في مصالح المجتمع ومعاشات الناس والتمييز بين النافع والضار من التصرفات.

العقل أداة للتفكير، والتحليل، والملاحظة، والمقارنة، والتجريد، والتعميم، والتجربة، والاستدلال، والمحاجة، والمجادلة، والمحاكمات المنطقية، واستقراء الجزئي وصولا إلى الكلي، ومعالجة الخاص والمحدود والمقيد لاستكناه العام والمطلق، مجاله الكون المادي الفسيح اكتشافا واختراعا وتطويرا وتسخيرا، وميدانه المعاملات البشرية المتنوعة التي لم ينزل فيها الشرع أحكاما معينة… يعتبر بالأدلة، ويعتد بالمقابلات والمقارنات والنتائج والمقاصد والغايات، يحسن ويقبح فيما ترك له أمر تحسينه وتقبيحه، ويميز المواقف السلوكية المناسبة لأقدار الرجال وظروف الزمان والمكان…

هذه العمليات العقلية هي التي يطلق عليها القرآن مصطلحي” تفقه” و” تفكير” ليميز بذلك بين عقل نبيه نير يعرف مجاله وحدوده وطاقته، وبين عقل غبي بليد قاصر عن مجاله وحدوده وطاقته، وبين عقل أهوج طائش يحلو له تجاوز مجاله وحدوده وطاقته، قال تعالى:

ـ ( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) آل عمران: 191

ـ ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) الحشر: 21

ـ ( قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) الأنعام: 98

ـ ( فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) النساء: 78
ـ ( لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) المائدة: 101

وهذه المجالات هي التي فتح الله آفاقها للناس، وحثهم على ارتيادها وتسخيرها، وخاطبهم في شأنها قائلا:

ـ ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت: 53

ـ (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) المؤمنون 80.

ـ ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) البقرة: 164

هذه المجالات لم يحجبها الله عن أي من البشر كافرا أو مؤمنا إذا ما استخدم عقله واتبع السنن الكونية في البحث والتنقيب (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) الإسراء 20

إن العقل إذا ما استخدم في مجاله وحدوده وطاقته ـ فهما و تدبيرا وتخطيطا وتنفيذا ـ كان نورا وهداية وتوفيقا، كما كان خير طاقة تقوي القلوب وتشد أزرها وتطمئنها وتساعدها على الثبات ووضوح الرؤية، مثلما هو شأن إبراهيم ـ عليه السلام ـ في حواره مع نفسه أثناء تأمله السماء بعقله في لحظة صفاء قلبي وشفافية روحية: ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِين فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّين فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يا قوم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون ) الأنعام76-77-78

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ أحاديث كثيرة في تمجيد العقل ورفع شأنه والحث على التمسك به، كلها ما بين ضعيف وموضوع، مثل:

ـ ” يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه”.

ـ ” يا أيها الناس إن لكل شيء مطية، ومطية المرء العقل وأحسنكم دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم عقلا”.

ـ “إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات الزلفى عند ربهم بقدر عقولهم “

ـ ” وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله “.

ـ “لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق “.

     وهي أقوال أقرب إلى الحكم والمواعظ منها إلى الحديث النبوي الشريف. ولكن لنا في القرآن الكريم من الآيات الدالة على أهمية العقل ومكانته في مجال المسؤولية الفردية والجماعية، الدنيوية والأخروية ما يغني المسترشد والمستهدي. إذ وردت لفظة “العقل” ومشتقاتها في تسع وأربعين آية ، من أروعها دلالة ، وأبلغها حجة وأوضحها هديا وإعجازا ، قوله تعالى في سورة الروم : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُون وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون) الروم : 20 / 24

أما القلب فهو القناة الخاصة بتلقي الغيب والثبات عليه واليقين والاطمئنان والسكينة به والاستشهاد في سبيله.

ـ (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) البقرة 4

ـ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )الرعد: 28

ـ ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) الرعد 22

القلب مركز العواطف والشعور، ومحضن المحبة والإيثار والتراحم والتآزر والتوادد والتعاون، ومنبت الغرائز والفطر الراقية إذا ما تعهد بالرعاية صدقا وإخلاصا وشفافية وسلامة توجيه، ومكمن الحقد والحسد والبغضاء والجحود والكفران، ومنبع النوازع الشريرة والأحاسيس الوضيعة إذا ما أهمل شأنه، وترك للقذى يغذيه، والكدر يتشربه؛ لذلك هو متأرجح بين الخير والشر حسب سعي صاحبه ونواياه وأهدافه ومؤثرات الغيب والشهود فيه؛ يبتعد عن الخير نحو الشر كلما اكتسب صاحبه الإثم والبغي والعدوان. ويقترب من الخير والرضوان، ما التزم صاحبه الهدى والرشاد، وتقرب من رب العباد، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن رب العزة قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه…[3] )

القلب معقد الإيمان ـ وإن كان تمام الإيمان بالتصديق اللساني وعمل الجوارح ـ لذلك نرى الإيمان بالقلب لا يزيد ولا ينقص، فهو إما يقين وإما كفر، وما عرف بالزيادة والنقص في الإيمان متعلق بأعمال الإيمان التي بها يزيد وينقص، أي بتطبيق مقتضياته فرائض و سننا ونوافل وتطوعا.

القلب وعاء الفطرة ونبعها صافيا كان أو كدرا، حيا كان أو ميتا، به يتعلق الرضى والسخط والسكينة والقلق والخضوع والثورة والاستسلام والتمرد:

ـ ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام 122

ـ (  لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) يس 69 ـ 70

     وما أضمر امرؤ شيئا في قلبه إلا ظهر على صفحة وجهه أو في فلتات لسانه:

ـ ( فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون) النحل 22.

ـ ( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ ) التوبة 77

ـ ( فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) محمد 30

وما خالج قلب المرء من قناعات وأحاسيس انعكس في سلوكه مواقف حدية، أو اندفاعات استشهادية، أو تصرفات معتدية، أو كفريات متردية؛ لأن ذلك نابع من مصدر يمثل كل ما في الإنسان من طاقة وعنفوانية، فالإيمان ومحبة الخير والعمل الصالح فطرة أعلي شأنها ورشدت، وقناعة قلبية امتزجت بأحاسيس المرء وشعوره، فصارت جزءا منه، وطاقة كامنة في وجدانه تبرمج مواقفه وتوجه سلوكه، وتفجر لديه كل عناصر المواجهة والتحدي والمجابهة، لذلك تجد ذوي الميول القلبية للمثل والقيم متحمسين لها إلى حد التطرف والمبالغة أحيانا، متمسكين بها إلى حد التضحية من أجلها بالأرواح؛ أما المواقف العقلية المبنية على القناعات الفكرية والحسابات النفعية والحجج المادية، والأدلة المنطقية فلا تتحول إلى طاقة تصد ومواجهة إلا إذا أمدها القلب بالحماس والقوة وشحذها وأججها بشحنه العاطفية المخزنة، فإن ظهرت سلوكا وتصرفات كانت مجرد إيماءات ميتة ورياضات غبية، وعبادات شكلية لا تنهى عن فحشاء ولا تحض على معروف، ولا تحفز إلى تآزر، أو تراحم، أو تعاون على بر، أو دفاع عن مثل وقيم ومبادئ، عبادات وصفها الله سبحانه بقوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) الأنفال 35

لذلك تجد العالم ميت القلب ينهى عن المنكر ويغشاه، ويأمر بالمعروف ولا يأتيه، يبشر بالتميز وهو غارق في التحيز، يشتم الظالمين سرا ويواليهم ويخدمهم جهارا، وعظه وإرشاده بهرج خطابي زائف، واحتراف لمصلحة من يدفع، كل همه قرب من الأمراء، ومماراة للسفهاء، وصرف لوجوه الناس إليه، كما هو حال بعض العلماء المعاصرين المعروفين لدى الخاص والعام ممن لم ينج من مدحهم وتزلفهم حاكم، ولم يخل من اقعائهم وانبطاحهم مجلس سلطان.

 وهذا يكشف عن خطأ جسيم وقعت فيه بعض الحركات الإسلامية المعاصرة التي ركزت على الجانب التعليمي دون الجانبين الأخلاقي والروحي، وبدل أن تكون منارات لتخريج الدعاة الصادقين والمؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، تحولت إلى معاهد يلتحق بها إلى جانب الطالب الصادق الطالب البارد والخبيث والجبان والخائن، والوصولي والمرتزق والنذل والوضيع، لا يكاد يتميز أحدهم عن غيره إلا بما يحفظه من نصوص، وما يتقنه من فنون القول والحذلقة والتفيهق، حتى إذا جاءت ساعة الرجولة والشهامة والنجدة ارتكسوا في الفتن (صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة ) الحاقة 7 .

 وهذا أيضا يشير إلى إحدى نقاط ضعف المبادئ الوضعية والمناهج المادية كالشيوعية مثلا، لأنها باقتصارها على مخاطبة العقول عجزت عن إثارة حماس الأتباع والمريدين ودفعهم إلى مجابهة خصومها والموت في سبيلها، رغم ما اتخذته من أساليب للإقناع والتشجيع، حوارا وجدلا وتحليلا وأدلة عقلية وإغراء ورشوة، فلجأت إلى “الحقد الطبقي”، وهو عاطفة قلبية، تستثيره ضد المستغلين؛ ولكنه لم يكن كافيا لحمل الناس على التضحية والفدائية والموت. وكانت نهاية المطاف إعلان الهزيمة أمام المعسكر الرأسمالي الذي وظف أخس العواطف البشرية الدنيئة المتعلقة بالمال واللذة وشهوات النفس.

لكن استعمال القناة القلبية ـ وإن كانت هذه وظيفتها ـ ينبغي أن يضبط طاقة ومجالا؛ لأن الإسراف في الاعتماد عليها وتعميم استخدامها، وتسيب توجهاتها يؤدي إلى مخاطر جسيمة على الفرد والمجتمع والأمة والإنسانية كافة.

أول هذه المخاطر الخروج عن السواء الذي هو المعبر الرئيسي إلى الدروشة والخرافة والشعوذة، ثم الشرك والكفر والخيانة، كما هو ملاحظ لدى بعض الطرقيين والمبتدعة والقبوريين والعملاء طيلة عهود الانحراف والذلة والخضوع للأجنبي. لذلك كان لزاما أن يضبط القلب وما يصدر عنه بثلاثة ضوابط: الكتاب، والسنة الصحيحة، والعقل.

      بالكتاب والسنة الصحيحة ينجو المرء من الانحراف العقدي والفكري  والسلوكي، لأنه يقتصر في تلقي الغيبيات وأحكام العبادات والمعاملات على مصدرين وحيدين لا ثالث لهما. فكل ما لم يرد في القرآن الكريم ولم يرو صحيحا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يؤخذ به. وكل ما أفتى به شيخ أو رآه أو أمر به فقيه أو عالم من غير الكتاب والسنة الصحيحة لا يعتد به. وكل ما رئي في المنام، أو ألقي في أمنية امرئ مما دعي إشراقا، أو إلهاما، أو إضافة إلى التشريع أو العبادة أو ما شابه ذلك، ليس إلا تلبيسا وشيطنة وضلالا. وكل ما سكت عنه القرآن الكريم والسنة النبوية يكون الاحتكام فيه إلى العقل، ولكنه العقل الرباني الرشيد الذي ينظر بنور الشرع في حدود مجاله وطاقته، مؤثرا المصلحة العامة على الخاصة، وبقاء الأمة على بقاء الفرد، وعلو شأن الجماعة على علو شأن الأفراد والطوائف.

إننا بالقلب موجها بالكتاب والسنة والعقل الرباني، وبالعقل مضبوطا بالكتاب والسنة والقلب الحي، ننفي عن الإسلام وحركته الحضارية العالمية، وعقيدته الربانية السمحة، وشريعته الفذة العادلة كل شائبة تشين نظامه ومناهجه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )[4]. ومعلوم أن الغلو والانتحال والإبطال والتأويل الجاهل بالعقل السائب والقلب الميت.

إن كل خلط أو خلل في استخدام قناتي القلب والعقل، كاستعمال احداهما مكان الثانية، أو استخدام واحدة فقط في مجال لا بد من اشتراكهما فيه يؤدي بالضرورة إلى خلل في المفاهيم و التصورات، وفساد في النوايا والمنطلق والأهداف والغايات، وانحراف في الأعمال والتصرفات، فيضطرب بذلك المجتمع وتهتز أركانه ويرتكس في الفتن.

إن استخدام العقل والقلب في مجاليهما وحدود طاقتيهما وبضوابطهما الشرعية، يعصم من الانحراف ذات اليمين وذات الشمال، فيحفظ للأمة تماسكها ويوجه طاقتها نحو العزة والمنعة، ويثبت أقدامها على الصراط المستقيم ويحفظها من أخطر مرضين ينخران المجتمع ويوهنان الصف، هما الدروشة والشيطنة.

الدروشة وهي نتيجة طبيعة لدى من يلغي عقله، ويتخذ لتلقي الغيب وأحكام السلوك والعبادة مصادر غير الكتاب والسنة أو معهما؛ تبدأ أولا طيبة وصفاء وثقة عمياء في الناس والنصوص المروية، ثم تستفحل لتتحول إلى بلادة وغباء، ثم إلى خرافة وشعوذة، يشرف على توجيهها واستثمارها متشيطنون هم شيوخ الخرافة الذين يوظفون كل غيبي لمصالحهم وأهدافهم، أو عملاء الأجهزة السريون منهم والعلنيون…

أما الشيطنة فهي الثمرة الخبيثة لدى من يعتمد على العقل وحده وبدون ضوابط من كتاب أو سنة، وهي مدرسة أسسها بنو إسرائيل فأتعـبوا بها أنبياء الله وطاردوهم وقتلوهم وحرفوا كلامهم وشرائعهم كما هو مفصل في القرآن الكريم.

إن أساس مدرسة الشيطنة الاعتداد بالعقل وحده متمردا على كل القيود، متجردا من كل الضوابط، لذلك ترى بعض الدعاة المتشيطنين ـ قادة وأتباعا ـ يرتكبون كل كبيرة ويأتون كل إثم ويتعاملون مع كل ظالم ويتزلفون إلى كل حاكم، ويعينون على كل خيانة من أجل تحقيق مكسب أو احتلال موقع، أسلوبهم المقايضة والمتاجرة، وترسهم التبرير العقلي نفيا للشمس في رابعة النهار، وإثباتا لدخول الجمل في سم الخياط ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) البقرة 9.

لقد وظفت الشيطنة عبر التاريخ الإسلامي للأهواء والمصالح الفردية، وخدمة الأجنبي والتكالب على السلطة، والجاه واللذة ففتحت على الأمة أبوابا للفتن والتناحر والتقاتل مازالت مشرعة إلى الآن منذ قتل الأئمة الراشدون بشيطنة المتكالبين على الحكم ودهائهم.

هذا الانحراف الذي أوقع بعض الدعاة في الدروشة أو الشيطنة، هو الذي يدفع حاليا بعض الشيوعيين إلى محاولة الالتفاف على الإسلام، بعد أن سقطت أحلامهم التي كانت معلقة بالمعسكر الشيوعي، وبدلا من أن يعودوا إلى أمتهم، وإلى دينهم بقلب حي مفعم بالمحبة والصدق والإخلاص والإيمان، آثروا التعامل مع القضية بشيطنة دعوها دهاء وحنكة، محاولين ” أسلمة ” الماركسية بحذلقات لغوية يمجها الذوق السليم، وتبريرات ديماغوجية تافهة ترفضها العقول السوية، دون أن يتجشموا مشقة تغيير ما بأنفسهم وسلوكهم؛ وبذلك بقي الماركسيون كما كانوا… لم يتغير لديهم إلا مواضيع الشقشقة التي كانت بالماركسية السافرة فأصبحت بالماركسية المحجبة، وسلاحهم في كل هذه المجالات الجدل والمراء، واتباع المتشابه والمعضل والمشكل، (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) آل عمران 7.

لقد فات هؤلاء الشيوعيين ” المتأسلمين الجدد” أن العقل وحده لا يرتاد آفاق الغيب؛ لأنه محدود بالزمان والمكان، والمحدود لا يحيط بالمطلق، وأن الدين الذي هو أهم قيمة لدى الإنسان مصدره الغيب، ومحضنه الدافئ القلب، ثم بعد ذلك يأتي العقل للدعم والتوجيه والترشيد.

فاتهم أن الدين انحياز أولا وأخيرا، انحياز قلبي وجداني لأمة وعقيدة وشريعة كما قال تعالى:

ـ (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) الأنفال 63.

ـ (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) آل عمران 31،

وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:[5] (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)، وقال:( وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله[6] )،وقال: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار[7] )، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم يا عبد الله أي عرى الإسلام أوثق؟ قال قلت الله ورسول الله أعلم، قال: الولاية في الله الحب في الله والبغض في الله [8].

     وما فات الشيوعيين من هذا الأمر هو عين ما فات بعض “الدعاة المتداعين”الذين امتلأت قلوبهم خوفا وطمعا، وحرصا وهلعا، فتردوا في مهاوي الشيطنة تبريرا وتحريفا وتأويلا، فقست قلوبهم قسوة لم ينصروا معها مظلوما، أو يغيثوا ملهوثا، ولم يتذكروا معها أرملة لشهيد، أو ولدا لمهاجر، أو أسرة لمعتقل، بل لم يعودوا معها مستعدين حتى لاستماع الحق، والحوار حوله أو معه، كما هو شأن قوم نوح الذين لم تزدهم دعوته إلا فرارا، ولم يزيدوا عند سماعهم إياها على أن (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) نوح 7.

     وهو ما فات أيضا بعض شباب الحركة الإسلامية الذين استعجلهم حب الظهور والزعامة، فحاولوا شق الصف وفتنة الجماعة والتجسس عليها والكذب عليها، بتأويل الأقوال والتصرفات، وتبرير الأعمال والتوجهات، مدججين بكل ما يخطر وما لا يخطر على بال من مكر، غير متورعين عن استعمال أخس أساليب الكيد والشيطنة، فكان عاقبة أمرهم أن ارتكسوا في الفتن أو قبعوا في مزابل الخزي والنسيان، أو اضطروا إلى التذلل والاعتذار لملاحدة العصر وشيوعييهم والتملق حتى لداعراتهم، لعَلَّ توبتهم من سابق انتمائهم الإسلامي تقبل، ومكاسبهم الدنيوية تحفظ، أو شغلوا عن فتنة الدعوة وأهلها بما اقتضته حكمة العلي القدير، نسأل الله العفو والعافية.

     إن الشطط في الاعتماد على القلب والعقل يخرج عن دائرة السواء، كما أن العدل في الاعتماد عليهما والمزاوجة بينهما بالضوابط التي تنظم حركتهما، يضمن السواء في جميع الميادين، ويجعل الإنسان مستويا على ساقين سليمتين، والدين ميسرا واضحا لكل ذي عينين، والعلم الطبيعي متطورا مزدهرا في خدمة الإنسانية، ومن أجل سعادتها.

     ولقد حققت العقول عندما سخرت في مجالها وحدودها، ما نراه من تقدم وريادة وتطور في مختلف العلوم، صناعة، وزراعة، وطبا، وفلكا، وفضاء، وذرة…

     كما أنشأت القلوب الحية الربانية نماذج من الرجال الأفذاذ الذين غيروا وجه التاريخ، ورفعوا شأن الأمة، وحققوا مجتمع السعادة والطمأنينة والرخاء والحرية…

     كما تورطت العقول والقلوب عندما تجاوزت حدودها وهي تعالج قضايا الغيب والشهود في متاهات من الأخطاء هبطت بها إلى مستوى تساؤلات الصبية والحمقى، دون أن تحقق أدنى نتيجة.

     ومع ذلك فإن الخطأ في استعمال العقل والقلب ليس بالأمر الخطير إذا توفر الإخلاص والموضوعية والصدق في البحث عن الحق، والإرادة الصلبة للنقد الذاتي، والتحكم الواعي في السلوك والاختيارات، إذ سرعان ما يتراجع المخطئ إلى الصواب كلما اكتشفه.

     لكن إذا رافق الخطأ نية فاسدة، أو حرص على مصلحة ذاتية، تعذر الإصلاح واستحال الرجوع، مثلما هو الحال لدى الماركسيين الذين تأبى أهواؤهم الثورة على الذات وتقتضي مصالحهم ركوب الموجة الإسلامية فيرفعون شعار ” الدين عقل فقط “. أو لدى وعاظ السلاطين الذين يتخذون يدا في جيب الحاكم ويدا في جيوب العامة، محاولين استغفال الطرفين واحتلابهما. أو لدى شيوخ الخرافة الذين تقتضي مصالحهم استغفال الأتباع، وتحويلهم إلى موتى بين أيدي غاسليهم، أو عجين في قصعة بين أيديهم فيرفعون شعار ” الدين قلب فقط “.

     هذه الفئات لا يجدي لديها نصح، ولا ينفع معها حوار أو تذكير، لأن بينها وبين الحق سدا متينا من هوى الأنفس ومصالح الدنيا، وقد ضرب الله تعالى لهؤلاء ومن على شاكلتهم مثلا من قوم ثمود فقال:( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) فصلت 17.


[1]  –  مسلم 4/1835، البيان والتعريف1/264

[2] – مسلم 4/1980، أحمد 4/182، الترمذي 4/597

[3] — البخالاي 5/2384

[4]  –  تفسير القرطبي 1/31، مجمع الزوائد 1/140، مسند الشاميين 1/344

[5]  – تفسير ابن كثير1/521، تفسير القرطبي 6/167،نوادر الأصول في أحاديث الرسول 4/164

[6]  –  تفسير ابن كثير 1/359، وتمام الحديث في” نوادر الأصول في أحاديث الرسول” 4/147: (عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:  الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من الجور أو يبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله؟ قال الله تعالى “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”  فأما قوله أن يحب على الجور ويبغض على العدل إنما يحب على الجور رجاء المنفعة منه ويبغض على العدل خوف المضرة ورجاء المنفعة.

[7] – مسلم1/66، البخاري 1/14، صحيح ابن حبان1/473

[8]  – سنن البيهقي الكبرى 10/233

اترك تعليقاً

موقع الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي