الدكتور حسن عبد الرحمن بكير يرد على فريد الأنصاري: فريد الأنصاري وعقاربه في الدنيا والآخرة

الدكتور حسن عبد الرحمن بكير يرد على فريد الأنصاري: فريد الأنصاري وعقاربه في الدنيا والآخرة

يقول الله عز وجل إنكارا على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِه}ِ النساء 83، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)، و عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال، أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس بدون تثبت ولا تدبر ولا تبين، وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بئس مطية الرجل زعموا.

      أذكر بهذه المقدمة الموجزة أخا مسلما لم يسبق أن عرفته ولا سمعت به، قبل أن ينشر أخيرا كتابا عن أحزاب سياسية مغربية ترفع شعار الإسلام ومرجعيته، فيثير في ساحة هذه الأحزاب ضجيج ردود وغبار شتائم وتنابز، وتنبري للرد عليه أقلام متضررين من مقالته متوجسين من تأثير كتابته على مكاسب في جيوبهم وأخرى في مكاتب وزير داخليتهم، لاسيما وهو يعرفهم بالمجاورة والمعاشرة والاطلاع على الأحوال جيد المعرفة، وما كان لي أن أخوض هذه المباءة التي أثيرت لولا أن ظلم فيها فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي غيبة وبهتانا بغير حق، واقترض فيها فريد الأنصاري من عرضه ما اقترض غير هياب من قوله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا امرأ اقترض من عرض أخيه فذاك الذي حرج وهلك).

      فرأيت أن أرد عن عرض هذا الشيخ الذي أفنى شبابه في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وما ذهب من كهولته في تأسيس الحركة الإسلامية المغربية المعاصرة، ويقضي حاليا شيخوخته منذ أزيد من ثلث قرن منفيا خارج وطنه، محكوما عليه غيابيا مرة بالمؤبد ثم مرتين بالإعدام، دون أن تلين له قناة، أو تحدثه نفسه بالركوع لظالم أو طاغية.

     وهذا الموقف مني امتثال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(ما من مسلم يذب عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة).

      لا أرى من فضل أو مروءة للرد على ” الأخ فريد الأنصاري”مؤلف الكتاب، بما يؤذيه من القول أو التعريض أو اللمز والنبز، أو بمثل ما رد به عليه خصومه الذين عايشهم وشاركهم جمعيتهم وحزبهم ونشاطهم، وعرف منهم ما عرفوا منه، وأنكر منهم ما أنكروا عليه. لأن من الأدب مع الله ثم مع الناس أن يلزم المرء حدود الشرع في القول والمعاملة وقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أربع خلال من كن فيه كان منافقا خالصا من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) وأعوذ بالله من أن أخاصم مسلما، أو أن أفجر في خصومته.

      لذلك رأيت أن أتثبت في الأمر، فبحثت عن الكاتب “فريد الأنصاري” وعلمت أنه ولد سنة 1960 م بإقليم الراشدية، وسألت فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي عنه فذكر لي أنه لم يعرفه قط ولم يلتق به مطلقا، ولم يقرأ له بتاتا، ولا يعرف عنه خيرا ولا شرا.

      وعندما غادر فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي وطنه إلى المنفى سنة 1975 ولم يعد لحد الآن، لم يكن فريد الأنصارى قد بلغ سن الرشد، ولم يتجاوز السنة الخامسة عشرة من عمره. وهذا يوضح بما لا يدع مجالا للبس أن الأخ فريد الأنصاري قد حدث في كتابته عن فضيلة الشيخ بهتانا وإفكا، وليس من الحكمة أن تكون مطية الرجل لسان غيره ، ولا أن ينال بدون تثبت أو تدبر أو تبين ممن لم يلتق بهم ولم يعرفهم أو يجربهم.

     لا شك أن الأجهزة الأمنية وأدواتها ممن لا خلاق لهم قد جندوا ألسنتهم وأقلامهم ومكروا مكرهم منذ أكثر من ثلث قرن لتشويه سمعة فضيلة الشيخ عبد الكريم واستئصاله من ساحة الدعوة الإسلامية، دفاعا عن الدولة التي نفته وطاردته في الآفاق، وحاولت مرارا قتله غيلة وغدرا، فلم تستفزه الشتائم ولا الغيبة ولا البهتان ولم يرد على أحد منهم، ولم تصرفه أفاعيل النظام وأوليائه عن دعوته وعقيدته شعاره دائما قوله تعالى {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }القصص55.

      لذلك لا يعد من الدين أومن العقل أن ينقل الأخ فريد الأنصاري ما تروج له الأجهزة وأتباعها ، ويكفي المرء كي يكف عن هذا التصرف ما ورد في صحيح مسلم (1/11) وهذا نصه:( عن أبي عثمان النهدي قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع وحدثني أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح قال أخبرنا بن وهب قال قال لي مالك اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع وحدثنا محمد بن المثنى قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع ).

      كذلك ليس من أخلاق المؤمن أن يرد بمثل ما قيل له أو عنه، لأن من طبيعة النفوس غير المؤدبة بأدب القرآن أن تقول للناس ما تريد فيحتملوا لها، وأن تغضب إن قيل لها مثل الذي قالت، لا سيما ونحن في زمن اشتبه المعروف فيه بالمنكر وأصبح البعض يتقرب إلى الله بما يباعده عنه، ويتحبب إليه بما يبغضه {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }فاطر8.

      فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي يقيم الشهادة عليه من عاشره وخالطه وعامله من غير الحاقدين عليه أو المأجورين لإلحاق الأذى به وتشويه سمعته كذبا وبهتانا، ولعلي أكون من أولى الناس بمعرفته وقد أمضيت بالقرب منه أكثر من عشرين سنة، فلم أر فيه – والله شهيد على ما أقول – إلا الحريص على دينه ودعوته، المنشغل على الدوام بقضايا إخوته، لا ينام له جفن إذا بلغه أن أخا في ضائقة أو به مكروه، يؤثر على نفسه ويهرع إلى إغاثة المحتاج.. ينصح ويلح على النصيحة ويعدها واجبا لا تعفي منه ظروف الأمن ولا حسابات السياسة …لأن أهم أساس في تعامل الإخوة كما علمنا دائما الإخلاص لله تعالى ومراعاة حقوق الأخوة صدقا ونصيحة ونصرة وعدم خذلان. ولهذا كان لنا جميعا مربيا في مقام الوالد متواضعا ناصحا أمينا مشاورا حتى في كثير من قضاياه الشخصية، وهو بذلك يقدم القدوة والمثال لرجل الدعوة ورجل الخلق الإسلامي الحق.

      لقد فتح الشيخ عينيه قبل سن الرشد على الحركة الوطنية المغربية، وشارك عند بلوغه الثامنة عشرة في المقاومة المسلحة لطرد الاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال كان بجانب شيخ الإسلام محمد العربي العلوي والدكتور المهدي بن عبود والشيخ محمد الحمداوي في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، يمثل معهم فيه التيار الإسلامي المعارض للفساد والمنابذ للانحراف. ثم في نهاية الستينات أسس الصحوة الإسلامية المعاصرة وبسببها حوكم ونفي منذ سنة1975م.

      فهل يرى الأخ فريد الأنصاري في هذه السيرة من عيب سوى أن الله أنقذ الشيخ فيها من مكر الماكرين وكيد الكائدين وتآمر المتآمرين؟

      يتهم الكاتب فضيلة الشيخ بالمراوغة والخداع وما سماه “العقلية المطيعية” ، وأنا أسأله: متى راوغك فضيلة الشيخ وأنت لم تره ولم تتصل به ولم تشترك معه في أمر قط، وعندما نفي من وطنه كنت لم تبلغ سن الرشد بعد؟

      ومتى خدعك فضيلة الشيخ وهو لا يعرفك ولم يسمع بك ولا بعائلتك ولم يجر اسمك على لسانه قط ؟

      وكيف عرفت “العقلية المطيعية” ومن أين عرفتها؟

     العقلاء يعرفون غيرهم بما عاشروهم أو قرؤوا لهم، وأنت لا تعرف الشيخ، ولم تحاول معرفته من كتاباته التي تمثل عقليته ونهجه وهدفه وأخلاقه.مع أنها في متناول الجميع على الشبكة العنكبوتية، كما لم تحاول التعرف عليه مباشرة وهو لا يرد زائرا ولا يكتم نصيحة، وأنت آمن في سربك، لا شك في ثقة الدولة بك أو ولائك لها.

      لعلك سمعت شكوى الأجهزة الأمنية وأدواتها الحزبية المتأسلمة من أنهم حاولوا إغواء الشيخ فلم يَنْغَوِ، أو خداعه فلم ينخدع، أو شراء ذمته فلم يبعها، وهذه فضائل فيه، وليست مذمة أو منقصة له، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن كيس فطن حذر وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب ليل لا يبالي من أين كسب وفيم أنفق) وقديما قال عمر رضي الله عنه: ( لست بالخب ولا الخب يخدعني).

      ولعلك تردد دون وعي منك ما تقوله الأجهزة الأمنية في حربها على فضيلة الشيخ، من أنه داهية وخطير ومراوغ، لأنه رفض أن يتعامل معها ثقة منه في الله واعتصاما بحبله، ولأنها لم تستطع إسقاطه في حبائلها أو حبائل شياطينها، ولأنها تريد أن تلقي في قلوب السذج والبله، الخوف والتوجس والحذر منه عند التعامل معه فلا يتأثروا بصدق توجيهاته ونصحه، ولا يضعوا أيديهم في يده تعاونا معه على البر والتقوى.

      وإذا كان هذا هدف الأجهزة الأمنية وأذنابها الحزبية المتأسلمة من حملة أكاذيبها على الشيخ لأكثر من ثلث قرن ولم تفلح، فما هو هدف الأخ فريد الأنصاري، والشيخ بعيد عنه لا ينافسه في منصب ولا يضيق عليه في رتبة، أو يسابقه إلى موائد، بعيد عنه زمنا بأكثر من ثلاثين سنة، ومكانا بآلاف الكلمترات، وبعيد عنه حالا بما بين الأمن والخوف، والدعة والمشقة، وطمأنينة الاستقرار وروع البعد عن الأهل والدار، ووطاءة المسكن والفراش ومشقة الغربة والمعاش ؟

      إنه إذا كان ما كتب فريد الأنصاري عن أصحابه الحزبيين من الذين عايشهم مبرَّرا لديه فهو قد اشترك معهم في مواطئ الأقدام ومناشط الأيام، وعرف عنهم وعرفوا عنه، وله كما لهم أيد باطشة حاضرة وألسنة ذربة منافحة.

      ولكن استضعاف شيخ منفي عن وطنه وفي سن والده، ليس له لسان يدافع أو يد تبطش، ليس من المروءة أو العفة أو الخلق الكريم .

      كنا ننتظر من الأخ فريد الأنصاري إذ ذكر فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع أن يدرس فكره ونهجه ويقدمه للقراء من خلال كتبه التي تطاردها الدولة وتمنع طبعها، ولو فعل لكان أهلا لما نصب نفسه له، ولكنه أبى إلا أن يغتاب رجلا لم يره ويبهت شيخا لم يسئ إليه، ويأكل لحم أخ مسلم هاجر بدينه وترك عرضه وديعة عند ربه.

      يكفي الشيخ عبد الكريم شهادة منك أن ذكرت أن الدعوة الإسلامية المغربية في أول عهدها قد استوطنت المدارس والمعاهد والثانويات والمساجد وهي فترة طفولتك وبداية شبابك، أي فترة التأسيس على يد فضيلة الشيخ من سنة 1969م إلى سنة 1975م ثم سنوات قليلة بعد مغادرته المغرب إلى منفاه.ثم دبت الفتن والانحرافات التي شاهدتها وشهدت عليها، والشيخ بفضل الله تعالى لا يسأل إلا على ما عملت يداه حاضرا، أما بعد ذلك فالله رقيب على الناس، إن أراد بهم خيرا جمعهم بعده على خيرهم وإن أراد بهم شرا جمعهم على شرهم. ويكفي المتخلفين وراءه أنهم عجزوا عن المحافظة على وديعته لديهم واعتبروها غنيمة دنيوية تكالبوا عليها كما تتكالب الذئاب على الجيف، فمزقوها وتمزقوا وشرذموها فتشرذموا، ولم يوجد فيهم رجل رشيد يجمع الشمل على الحق ويضيف بناء متينا إلى الأصل الراسخ.

      يبقى إذن ما ذكره فريد الأنصاري عن فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع مجرد بهتان وافتراء وقول بغير علم، وشر الروايا روايا الكذب، والكذب لا يصلح في جد ولا هزل. وقد سئل رسول الله عن عمل أهل النار فقال: الكذب، إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار، وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم انه قد أحدث منها توبة، وعن أبى برزة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا إن الكذب يسود الوجه…، وعن جابر بن عبد الله قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح منتنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين.

      من الحكم والأمثال عند العامة أن التقرب من الخلق قد يكون بما يغضب الخالق عز وجل، ولكن التقرب من الخالق لا يكون إلا بما يرضيه عز وجل، فمتى علم الأخ فريد الأنصاري أن الله يرضى بأن يستضعف شيخا في سن والده ويبهت داعية إلى الله بقلمه ولسانه، ويطارد مهاجرا في سبيل الله، تتربص به دوائر الظالمين في كل مكان، ويأكل لحمه كل متزلف لسلطان، ويفجر بالكذب عليه وشتمه المتعيشون بأعراضهم والمتعقربون بألسنتهم؟.

الدكتور حسن عبد الرحمن بكير

أستاذ جامعي ورئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في هولندا

اترك تعليقاً

موقع الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي