واحدة حقا، فهل لها موقف شعوري مشترك واحد؟
كل جسم حيٍّ مُركَّبٌ من عظام ولحم وشرايين وعروق ، إلا أنه بدون جهاز عصبي يشد مكوناته إلى بعضها ويوجه نشاطه ويضبط حركاته الإرادية وغير الإرادية، ويشعره بالمخاطر، ويحفز مناعته وأدوات دفاعه، مجرد جسد رخو لا قدرة له على إثبات ذاته أو استثمار قدراته وتوجيهها، كذلك الأمة الإسلامية وقد بُعثت لإنشاء واقع جديد متميز عن واقع النظم القائمة على الفساد، بمنهج حي عصي عن التحريف والانحراف، وعقيدة يدين بها الكون كله، ويتماسك بها الوجود جميعا، هي عقيدة التوحيد طاعة لله وانسجاما وانتظاما وانضباطا وسيرا على سننه تعالى في الخلق والإبداع {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس 40.
هذه الأمة لابد لها من موقف شعوري مشترك يمثل الجهاز العصبي للجسم الواحد، تَتَضَامُّ به مكوناتها وتتماسك به مقومات شخصيتها الذاتية والاعتبارية، وتزكو به وظيفتها في الأرض، وتَسمو به مكانتها في الوجود، وتتوفر لها به المناعة التامة ضد الذوبان في غيرها أو التفتت في مواجهة عدوها، هذا الموقف الشعوري المشترك هو الذي يجعلها جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وإذا هددته المخاطر تصدت لها قوى المناعة الذاتية بالحماية والذود والمدافعة. إنه الإحساس المشترك بين أهل الإيمان بالانتماء إلى أمة واحدة موحدة كما أراد لهم الحق سبحانه إذ خاطبهم بقوله:{ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 92.
إن هذا الشعور الجماعي لدى المسلمين، وقوةَ انسكابه في قلوبهم وعقولهم وموافقهم، ولاءً لربهم وعقيدتهم وأمتهم ،وتَدَفُّقَه في علاقاتهم ببعضهم مهما اختلفوا أو تنازعوا، ثمرةٌ يانعة مرْجوَّة لانتمائِهم إلى عقيدة واحدة ربانية من إله رحيم وصراط مستقيم ومصير واحد في الدنيا والآخرة، ويقينِهم بأن هذا الانتماء لا يكون صادقا مؤتيا أكله إلا بهذا بهذا الموقف الشعورى المشترك الحي. بدونه لا تكون أمة واحدة حقا، ولا حصون منيعة حقا.