الحزبيون المتاجرون بالإسلام
الحق واحد لا يتجزأ أبدا، إما أن يُلتزَم كلُّه أو يُترَك كلُّه، وكل محاولة لانتقاصه تعد تحريفا له أو سعيا لإلغائه، كذلك العقيدة الإسلامية وهي الحق من الله تعالى، تؤخذ كلها أو تترك كلها، إذ لا وسط بين الكفر والإيمان، ولا مجال لأن يتخذ المرء بينهما سبيلا، وليس لها من مرجع إلا كتابها الواحد وهو القرآن الكريم، لا يُتخيَّر منه فيؤخذ بعضه ويُترَك بعضه:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} البقرة 85.
ولئن كان الحق واحدا لا يقبل التعدد، ومصدره واحدا لا يقبل الشريك، وإلزامية الأخذ به متكاملة لا تقبل الزيادة والنقص والانتقاء المغرض، فإن ذلك يقتضي أن يكون مُبلِّغ هذا الحق واحدا هو الرسول صلى الله عليه وسلم لا يؤخذ من غيره، وأن يكون صادقا وأمينا ومعصوما، يبلغه كما أوحي به إليه من غير تغيير أو تحريف أو زيادة أو خطأ أو نسيان، وأن يكون شجاعا لا يخشى أحدا إلا الله، يبلغه غير هياب ولا خائف ولا وجل ولا متردد، ويصدع به كلمةَ حق لا تجامل الأهواء، ولا تساير الرغبات ولا تقيم وزنا للخصوم والأعداء، يجهر به غير حافل بأي خطر يتهدده ما دام مطيعا لأمر الله، ولْيفعلِ الكفار والمشركون والحاقدون والحاسدون والرافضون والكارهون بعد ذلك ما يشاؤون، لأن الأمر كله من الله ولله أولا وأخيرا. ليس له إلا أن يمتثل ويبلغ، كي تتضح المحجة وتبرأ الذمة، ولا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة. هذا شأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وشأن جميع الرسل عليهم السلام قبله، وكذلك كان تبليغهم رسالات ربهم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} الأحزاب 39. ولذلك خاطب الحق سبحانه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله{:يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة 67.
وإنما يدخل الخلل إلى عقيدة الناس عادة عن طريق ورثة الرسالة من الأحبار والرهبان والعلماء، إذا ما استسلموا لأهوائهم أو خضعوا لطواغيتهم، لذلك حرص الوحي على أن يؤدب الرسول صلى الله عليه وسلم بما أدب به غيره من الرسل، وأن يحضه على التبليغ الدقيق للرسالة نصا قرآنيا وبناء تربويا وأسوة سلوكية، وكان الخطاب له أيضا خطابا ملزما لورثته من العلماء، كيلا يسقطوا فيما سقط فيه الأحبار والرهبان من قبلهم.
ولئن ارتكب بعض علماء المسلمين في هذا العصر ما ارتكبه قبلهم علماء بني إسرائيل، فقد نشأ عنهم جيل من الحزبيين الجهلة مدعي المرجعية الإسلامية ولا علم لهم بها ولا صدق لهم فيها، أخدمتهم بطونهم وشهواتهم وطموحهم الغبي أذنابا وعبيدا للحكام، فعملوا على خدمتهم بكل أصناف الخدمات الوضيعة، تجسسا على الصادقين، وإيقاعا بالمخلصين، وتحريفا للنصوص الشرعية عن مسارها وأهدافها وأحكامها، بما يخالف ما أنزلت له. ورشوة بالمال والوظيف للمغفلين وجياع الطامعين يتهافتون على النار معهم كالفراش، واستدراجا لكل من غلبته شهوته وخان عقيدته إلى المتاجرة بدينه في سوق النخاسة الحزبية المقيتة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (إنما مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها) قال: (فذلكم مثلي ومثلكم، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فيغلبوني ويقتحمون فيها).