الأهواء تجمع على الضلالة ولا تؤلف على الحق
الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي:
الأهواء تجمع على الضلالة ولا تؤلف على الحق
منذ اكتمل الدين وأسبغ الله تعالى نعمته على الأمة، أصبح أمر إقامته جازما لا يقبل المراجعة ممن أراد أن ينتسب إليه، وأحرى بالدعاة المعاصرين أن يكفوا عن تحكيم الأهواء والبدع والضلالات، وعن الخضوع لها أو إيثارها أو الحديث عن جدواها مهما تنوعت تسمياتها أو تعددت تبريراتها، سواء بالمصلحة المُتَوَهَّمة أو المقصد المُمَوَّه، أو المسايرة لروح العصر، أو غير ذلك من التعلات المزعومة، ولذلك خاطب الحق سبحانه نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
ولئن كان الأصل في الأهواء رغبات النفس واختلاف الأمزجة وتناقضها وتباين الانتماءات الحزبية وعصبيتها فإن أصحابها لا يجتمعون إلا نادرا ثم يفترقون، ويتباغضون ويتبرأ بعضهم من بعض، ولذلك يقال: جمعتهم الأهواء، ولا يقال ألفت بينهم الأهواء، لأن التأليف يفيد الموافقة والتوافق، كما هو شأن المؤمنين إذ تحرروا من الأهواء بإيمانهم فألف الله بين قلوبهم:﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾الأنفال 63. ذلك لأن للمؤمن العاقل مقياسين يعرف بهما الحق من الباطل ، هما النص الشرعي والتفكير العقلي السليم المنضبط بالنص، فإن توسل بهما متحررا من رغبات النفس وهواها تآلف مع المؤمنين أمثالِه فكان الصواب والسداد، ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف). لذلك وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة للتحذير من أن يجاري المؤمن أهواء نفسه أو يطيع أهواء غيره، فمن القرآن قوله تعالى:﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ الفرقان 43، وقوله:﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ الجاثية 23. وقوله:﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الشورى 15، وقوله:﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ الكهف28، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وإنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكــَـلَبُ بصاحبه، لا يبقى منه عِرْق ولا مَفصل إلا دخله)، وهو ما فهمه الحسن رحمه الله إذ قال: “اتقوا هذه الأهواء التي جُمَّاعُها الضلالة ومعادها إلى النار”.
ولئن كانت بعض الأهواء أحيانا تموِّه على أهلها بمصلحة عارضة يسعون لها أو منفعة مُتوهَّمة يطلبونها، ويكون التنازل عن الحق أو عن بعضه وسيلةَ لتحقيقها، فإن التلبيس باتخاذها مرجعا للحكم لا يعني إلا الافتيات على الله تعالى والكذب عليه وادعاء العلم بمقاصد شرعه ومصالح عباده في غير القرآن والسنة.
وما دامت أهواء بعض الناس هي الحاكمة والمتحكمة فيهم فلن يجتمعوا على دين واحد أو مصلحة حقيقية بينة أو مقصد ثابت، لأن عبد الهوى لا يقبل دعوة الحق ولا يستجيب لدعاتها ما لم يتحرر أولا، وما تقزيم الحق أو تقليمه أو التنازل عن بعض أحكامه إلا إساءة للحق نفسه، وإضرارا بآخرة من تجرأ عليه أو باركه أو شجع عليه، وقد أُنْزِل الحق على محمد صلى الله عليه وسلم وأُمِر باتباعه والعمل به ودعوة الناس إليه، فآمن به قوم حرروا أنفسهم وحرروا غيرهم، وكفر به آخرون تأسرهم الأهواء، فتحملوا في ذلك مسؤولية اختيارهم، وهم على ما ماتوا عليه إلى أن يلقوا ربهم فيحاسبهم، وليس على المؤمنين إلا الدعوة والتبليغ بالكلمة الطيبة والمجادلة بالحسنى، من غير أن يتساهلوا في شيء من أحكام العقيدة أو الشريعة إرضاء للفرق الضالة، أو حرصا على تجميعها أو توحيدها، أو تأليفها، لأن كل طائفة منهم معجبة بهواها، متمسكة بضلالها ، وقد جعل الله للمسلمين دينهم القيم منهجا ونظام حياة، واختار غيرهم الضلالة شرعة فجعلت لهم استدراجا وإمهالا، كل من اختار سبيلا ومات عليه حوسب به يوم القيامة، إن خيرا فخير أو شرا فشر، إنها حكمة الله في خلقه لا يسأل عنها ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء 23.