عِبَرٌ وأسرار من ذكريات الهجرة وآخر أيام مقامي في السعودية
بمناسبة تلاشي وعاء “حزب البيجيدي” الذي لملم فيه النظام مخلفات حركتنا:
عِبَرٌ وأسرار من ذكريات الهجرة وآخر أيام مقامي في السعودية
تساءل بعض الإخوة عن عدم إيثاري الاستقرار في مكة المكرمة أو المدينة المنورة وهما أحب بقاع الأرض إليَّ عندما لجأت إلى السعودية أول مرة، فرأيت أن أبين بعض ما عانيته من مكر لإخراجي من السعودية إعدادا لتصفيتي جسديا خارجها ومن غير إحراج لها، مما شرحت بعضه مفصلا في مذكرات أخرى نشرتها سابقا في موقعي الشخصي، ولذلك رأيت أن أبين فقط بعضا مما نالني في آخر أيامي بها تعقيبا على ما يناله حاليا من حاول تصفيتنا وشمت بنا وظن أنه انتصر علينا.
لقد كان بقائي في السعودية بتنسيق من وراء ظهري بين الاستخبارات المغربية والاستخبارات السعودية وترتيب مباشر مع بعض القياديين الإخوان المسلمين المصريين في القاهرة وبعض قياداتهم المرتبطة بالقصر الملكي المغربي بالرباط، وعلى رأسهم توفيق الشاوي الذي كان مستشارا للملك الحسن الثاني قبل أن يستقر في جدة مستشارا لبعض الأمراء السعوديين، وعمر بهاء الدين الأميري الإخواني السوري الذي كان مستشارا للملك الحسن الثاني. وكان الهدف من التنسيق أن أبقى مرتهنا مشلول الحركة في السعودية، من غير أوراق ثبوتية أو إقامة رسمية، أو مسكن آوي إليه، إلى أن تتم السيطرة في المغرب على مخلفات حركتنا الإسلامية المغربية التي أعدوا لبعض تلامذتها وعاء سموه “حزب العدالة والتنمية”. وفعلا في آخر سنة لي (1979) كانوا قد أتموا بناء هذا الحزب وظنوا أنهم قادرون عليه، فأطلقوا سراح بعض المعتقلين، ثم تفرغوا لإبعادي عن السعودية إلى بعض المناطق السائبة التي عرضها عليَّ مرارا توفيق الشاوي وكمال الهلباوي تمهيدا لتصفيتي بها.
يبدأ الأمر في آخر هذه الفترة بيوم زارني فيه بمكة المكرمة طالب بقسم الدكتوراه، سعودي من أصل تشادي، طيب وخلوق وصادق ومحب يقيم بالمدينة المنورة، وحذرني من مغربيين يزوران مكة حينئذ، يسمى أحدهما نور الدين ذكير والثاني يدعى العربي بوسلهام، ويقومان منذ مدة بزيارة كثير من الشخصيات في السعودية يشهران بي ويحرضان علي.
أما الشاب نور الدين دكير فعرفته لأنه كان قد طرد من حركتنا مع جماعة من المنحرفين أخلاقيا ونُشر فيهم بيان بعدة صحف على رأسها مجلة البلاغ الكويتية، وكان قد استقطبه الأمن المغربي وعينه في وزارة الداخلية برتبة قائد، وأما الثاني فلا علاقة له بنا ولا بحركتنا ولم يسبق أن سمعت به.
واظبت عقب ذلك على الانتباه إلى من قد يتتبعني أو يترصدني، فاكتشفت في المطاف أن المدعو نور الدين ذكير كان يطوف خلفي حول الكعبة مُلَثَّماً، فرأيت أن أُلْجِئَ من يوجهه ويشرف عليه إلى اللعب على “المكشوف”، فاتصلت بكمال الهلباوي الإخواني المصري الذي كان مديرا إداريا للندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض، اتصلت به هاتفيا وسألته عنهما وعن تحركما بالسوء ضدي وهما في ضيافة الندوة وهي جهة رسمية، فلم ينكر وقال إنهما يريدان حوارا معي، فقلت: مرحبا، فقال سأرسلهما إليك مع عون الندوة “عبد الله مكي” ، فوافقت وحددنا موعدا في صالون فندق الفتح.
في الموعد المحدد كنت في صالون فندق الفتح بمكة المكرمة وبيدي جهاز تسجيل أسجل به حوارنا المرتقب توثيقا له وخشية من روايته لغيرنا محرفا، كما ألفته من أمثالهم مرارا، فلم يحضر للموعد إلا المسمى” العربي بوسلهام” وعون الندوة المدعو عبد الله مكي الذي قال عند تقديمه: حضور بوسلهام يكفي في الحوار، فوافقت ثم بادرت بافتتاح موضوع اللقاء وقلت بعد البسملة وحمد الله والضغط على زر تشغيل جهاز التسجيل: يزورني الآن كل من فلان وفلان وقد أرسلهما كمال الهلباوي ليحاوراني في قضايا تهمهما، ثم طلبت من الرجلين أن يقدما نفسيهما والغرض من الزيارة، فغضبا ورفضا مواصلة الحوار مسجلا، وأصرا على ألا يسجل الحوار وأصررت على تسجيله، وانتهت الجلسة فقاما وانصرفا مغضبين.
بعد أسبوع تقريبا زرت مكتب الندوة في الرياض فأطلعني الدكتور أحمد توتنجي نائب الأمين العام للندوة الدكتور عبد الحميد أبو سليمان على ما كتبه العون السوداني عبد الله مكي في تقريره عن الحوار وإذا به يتهمني فيه بالكذب والمراوغة كأن حوارا قد تم بالفعل بيننا، فأخذت نسخة مما كتب، وعند عودتي لمكة المكرمة وكان لي فيها صديق سوداني ذو أخلاق عالية وعزة نفس وخلق نبيل وعلاقة طيبة بالجالية السودانية في الحرمين الشريفين، مقيم في مكة إقامة دائمة هو شيخ الطريقة السمانية الشيخ إسحاق، فلما رآني مغضبا سأل عن السبب فقصصت له ما فعل بي ابن بلده عبد الله مكي فأرسل إليه ووبخه، فجاءني مغضبا رافعا يديه علي مهددا ومتوعدا فصرفت جهالته بما هو أهله.
في نفس الأسبوع زارني أحد كرام علماء سوريا وأصدقهم وأحبهم إليَّ هو الشيخ محمد حامد الناصر وكان من خير علماء حوران، يعمل أستاذا بمكة المكرمة، وله عدد من المؤلفات منها: الحياة السياسية عند العرب في الجاهلية، وأخلاق العرب في الجاهلية، والعصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، والجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، وعلماء الشام في القرن العشرين، وما أن جلس حتى ضحك وقال: كيف لا تهتم بما يجرى حولك ومن وراء ظهرك يا أخي؟ فلما سألته بيان ما يريد قوله أخبرني بأن كمال الهلباوي أرسل شابين مغربيين مع عبد الله مكي إلى محمد قطب في بيته، وقاما بنفس الدور في التشويه والكذب، وأنه عاتب محمد قطب عندما أخبره بالأمر فندم على استقبالهم وطلب لقائي للاعتذار، فوافقت على زيارته إكراما لأخيه الشهيد”سيد قطب”، ولما زرته ببيته اعتذر وقدم لي مجموعة أوراق كتبها نور الدين دكير بخط يده، كان قد تسلمها من عبد الله مكي مرسلة إليه من كمال الهلباوي فوضعتها فوق المنضدة ولم أطلع عليها ثم ودعته وتركتها عنده بعد أن مزقتها قطعتين.
وبعد يومين تقريبا رجع الشيخ محمد حامد الناصر إليَّ وأخبرني بأن كمال الهلباوي أرسل أيضا الشابين مع عبد الله مكي إلى الشيخ محمد الغزالي وكان حينئذ مدرسا بمكة قبل أن يلتحق بالجزائر مستشارا للرئيس الشاذلي بن جديد ومدرسا بالجامعة وواعظا في الإذاعة الجزائرية، وأنه عاتب الشيخ الغزالي على استقبالهما والنزول إلى مستواهما فندم وطلب أن أزوره ليعتذر، فقلت له بلغ تحيتي للشيخ الغزالي، وأخبره أن الأمر بسيط ولا يحتاج للوم ولا للاعتذار.
ثم بلغني كذلك أن كمال الهلباوي مكنهما من زيارة الشيخ بن باز وأبي بكر الجزائري لنفس المهمة فلم يعيراهما اهتماما، كما حكى لي ذلك الشيخان كل على حدة.
وظننت أن الأمر توقف عند هذا الحد، فإذا بي بعد حين أفاجأ في الفندق الذي أقيم فيه بمكة المكرمة بمكالمة من رئيس تحرير مجلة المجتمع بالكويت جمال المطيري يقول فيها بعد التحية: معي شخصان من الشبيبة المغربية يتظلمان ويريد أحدهما هو نور الدين دكير أن يحاورك، فقلت نعم، لا بأس، على أن يجيبني أولا عن أسئلة لي ثم يلقي ما يشاء من القول، فسأل الصحفي ضيفه فوافق على أن يجيبني أولا ثم يسألني ثانيا:
كان سؤالي الأول له: ما هو اسم الشاب الذي اجتاز نيابة عنك امتحانك للبكالوريا (الثانوية العامة)، إن كنت نسيت فهل تأذن لي أن أذكرك اسمه؟
وبعد أن رفض الإجابة محرجا قلت له: دعنا نتجاوز هذا السؤال إلى غيره، وسألت: كنت تسكن في مسكن مشترك مع زميلك المطرود معك من الحركة فوجدته مع زميل لكما في حالة مخلة بالخلق الإسلامي، فهل تذكر لنا اسم هذا المنحرف وشريكه؟
عندما سمع السؤال أخبرني رئيس تحرير مجلة المجتمع بأن ضيفيه غضبا وهربا خارج المكتب وامتنعا عن مواصلة الحوار.
وفي مساء نفس اليوم اتصل بي هاتفيا الأخ الشيخ محمد سرور زين العابدين من الكويت وكان من المساهمين في تحرير مجلة المجتمع، وقال: لقد كان جمال المطيري رئيس تحرير مجلة المجتمع يسجل حوارك مع ضيفيه من غير إذنك أو علمك فهلا طلبت منه تمكينك من شريط ما سجله؟ فضحكت وقلت له بل اتركه عنده يتخذه “حرزا” ضد الشيطنة.
ثم اتصلت ببعض الإخوة في الكويت فأخبروني بأن الذي استقبلهم بتوجيه من كمال الهلباوي هو المدعو “مصطفى الطحان” مسؤول تنظيم الإخوان الأجانب في الكويت وأنه أخذهم إلى كثير من أعيان البلد للقيام بما قاموا به في السعودية.
كانت هذه الأحداث في سنة 1979، وهي آخر سنة لي بالسعودية، والتي اتصل بي فيها هاتفيا من جدة الدكتور توفيق الشاوي، وعرض علي الانتقال إلى السودان ثم إلى الأردن ومصر فرفضت وعزمت على المغادرة إلى روما، لولا أن تدخل الدكتور عبد الحميد أبو سليمان يثنيني عن المغادرة، في حديث آخر طويل نشرته خارج هذا السياق.
ثم في موسم الحج لنفس السنة في آخر أيامي بمنى التقيت بالأخ مصطفى مشهور وكان حينئذ مسؤولا عن إدارة المجلة الناطقة باسم الإخوان المسلمين في القاهرة قبل أن يعين مرشدا عاما لهم، فدعاني لجلسة خاصة يريد أن يحدثني فيها بأمر هام فلبيت، وإذا به يقول:” لقد زارني في القاهرة شابان من حركتكم وشكوا لي ظلما لحق بهما من طرفك وأخذ يعدد عليَّ ما سمعه منهما، فسألته: ما اسمهما؟ فقال: نسيت اسمهما، فقلت: وكيف عرفاك فاتصلا بك؟ فقال: سألا عن مكتب المجلة بالقاهرة فزاراني فيه، فسألته: هل أرسلهما أو زكاهما لك أحد ممن تعرف؟ فقال: لا، فقلت وهل تأكدت من هويتهما؟ فقال: لا، فقلت أنت تعرف مكان إقامتي ورقم هاتفي فلم لم تتصل بي هاتفيا وهما عندك لتتبين من أمرهما؟، فقال: لم أر ضرورة لذلك، وكان قد بلغ بي الغضب مداه لتجاهله البديهيات العادية للتعامل مع عموم الخلق وهو في مقام الناطق الرسمي للإخوان المسلمين في مجلة الإخوان المسلمين الرسمية التي يديرها، وأنا أعرفه وأعرف الشابين اللذين يتحدث عنهما متجاهلا، وأعرف من أرسلهما من المغرب ومن استقبلهما في الرياض وفي الكويت ومن أخذ بيدهما إلى كل من ظنوه خطأ نصيرا لي وعونا، كما أعرف البرنامج الذي خططت له الاستخبارات المغربية بتعاون مع قيادات إخوانية مصرية مقيمة في الرباط، فقلت له معاتبا:
ألم تتذكر واجب التثبت والتبين وأنت تستمع لهما؟، ألم تتذكر واجب النصح لهما وكفهما عن السوء؟ ألم تتذكر واجب الدفاع عن عرض أخ لك بالغيب وأنت تسمع لهما؟ مع العلم أنني أعرفهما وأن اسمهما هو فلان وفلان وأنهما أرسلا إليك لتزكيتهما عند إخوان السعودية كي يقوما بما كلفا به من أمر تشويهي والكذب علي والتضييق بي وتحريض السلطة السعودية علي كما حاول فعله عمر بهاء الدين الأميري من قبل ففشل، نحن سمعنا عنكم كثيرا ولم نصدق ما سمعناه ولم نروجه ولم نسألكم عنه، ودافعنا عنكم كثيرا وأنتم تشهرون بنا، نحن سمعنا عنكم من قِبَل عُدولٍ منكم على رأسهم الشيخان فلان وفلان المقيمان في مكة المكرمة وهما من أصهار الشهيد سيد قطب وسمعنا عن بعضكم وأنت منهم في السجن عندما كُتِبَتْ بالدم رسالة طلب العفو من جمال عبد الناصر، فهل جئنا لأحد منكم نتبين معه أو نعاتبه أو نشهر به ظلما كما تفعل حاليا ويفعله ممثلكم كمال الهلباوي في الرياض مع صاحبيك هاذين؟ وأنا أعلم أن هذا البرنامج كله موضوع في الرباط لغايات لا تجهلها، ثم ختمت الحديث معه وودعته وقد أيقنت أن مقامي في السعودية لم يعد آمنا وقد حوصرت فيه بين الإستخبارت المغربية والأدوات الإخوانية، في بلدٍ القرارُ فيه مشترك بين السعودية وإخوان مصر.
لذلك قررت المغادرة بعد موسم الحج مباشرة وطلبت من أمانة الندوة تيسير خروجي من المطار فكلفت كمال الهلباوي بالإشراف على سفرى إلى الكويت كي أتخذه معبرا إلى غيره بكل حرية، ولكن الشيخ حمد إبراهيم الصليفيح الموسى الأمين العام للجنة العليا للتوعية الإسلامية في المملكة، وكان أحد أوفى من صادقته في السعودية، أصر على استضافتي في بيته ليلة السفر والإشراف على سفري بنفسه ومرافقتي إلى المطار، وفي الصباح أخذني إلى بيت الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الذي دعانا للإفطار عنده وتوديعه، وفي المطار وجدنا كمال الهلباوي ينتظرنا لتنسيق خروجي مع الأجهزة الرسمية فأصر الشيخ حمد الصليفيح على الدخول معي إلى الطائرة ووداعي فيها.